المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤١٤
الفنّ الأوّل في جلب النافع
و نقول فيه: الأسباب الّتي بها يجلب النافع على ثلاث درجات مقطوع به و مظنون ظنّا يوثق به و موهوم و هما لا تثق النفس به ثقة تامّة و لا تطمئنّ إليه.
الدّرجة الأولى المقطوع به و ذلك مثل الأسباب الّتي ارتبطت المسبّبات بها بتقدير اللّه و مشيّته ارتباطا مطّردا لا يختلف كما إذا كان الطعام موضوعا بين يديك و أنت جائع محتاج و لكنّك لست تمدّ إليه اليد و تقول: أنا متوكّل و شرط التوكّل ترك السعي و مدّ اليد إليه سعي و حركة، و كذلك مضغه بالأسنان و ابتلاعه بإطباق أعالى الحنك على أسافله، فهذا جنون محض و ليس من التوكّل في شيء، فإنّك إن انتظرت أن يخلق اللّه فيك شبعا دون الخبز أو يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ملكا ليمضغه و يوصله إلى معدتك فقد جهلت سنّة اللّه و كذلك لو لم تزرع الأرض فطمعت في أن يخلق اللّه تعالى نباتا من غير بذر، أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم، فكلّ ذلك جنون و أمثال هذا ممّا يكثر و لا يمكن إحصاؤه فليس التوكّل في هذا المقام بالعمل بل بالحال و العلم، أمّا العلم فهو أن تعلم أنّ اللّه خالق الطعام و اليد و الأسنان و قوّة الحركة و أنّه يطعمك و يسقيك، و أمّا الحال فهو أن يكون سكون قلبك و اعتماده على فضل اللّه تعالى لا على اليد و الطعام و كيف تعتمد على صحّة يدك و ربّما تجفّ في الحال و تفلج و كيف تعول على قدرتك و ربّما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك و يبطل قوّة حركتك و كيف تعول على حضور الطعام و ربّما يسلّط اللّه من يغلبك عليه أو يبعث حيّة تزعجك عن مقامك و تفرق بينك و بين طعامك و إذا احتمل أمثال ذلك و لم يكن لها علاج إلّا بفضل اللّه فبذلك فلتفرح و عليه فلتتوكّل و إذا كان هذا حاله و علمه فيمدّ اليد إليه فإنّه متوكّل.
الدّرجة الثانية الأسباب الّتي ليست متيقّنة، لكنّ الغالب أنّ المسبّبات لا تحصل دونها و كان احتمال حصولها دونها بعيدا كالّذي يفارق الأمصار و القوافل و يسافر في البوادي الّتي لا يطرقها الناس إلّا نادرا و لا يكون سفره من غير استصحاب زاد فهذا ليس شرطا في التوكّل بل استصحاب الزّاد في البوادي سنّة الأوّلين و لا يزول التوكّل به
المحجة