المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٦
وطن فالأولى أن ندعو بما دعا به نبيّنا عليه السّلام إذ قال: «اللّهمّ ارزقني حبّك و حبّ من أحبّك و حبّ ما يقرّبني إلى حبّك، و اجعل حبّك أحبّ إليّ من الماء البارد» [١] و الغرض أنّ غلبة الرّجاء عند الموت أصلح لأنّه أجلب للمحبّة و غلبة الخوف قبل الموت أصلح لأنّه أحرق لنار الشهوات و أقمع لمحبّة الدّنيا عن القلب، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يموتنّ أحدكم إلّا و هو يحسن الظّنّ بربّه» [٢].
و قال تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء» [٣] و المقصود من ذلك كلّه أن يحبّب اللّه إلى نفسه، و لذلك أوحى اللّه إلى داود عليه السّلام: أن حبّبني إلى عبادي، فقال: بما ذا؟ فقال: بأن تذكّر لهم آلائي و نعمائي. فإذن غاية السعادة أن يموت العبد محبّا للَّه، و إنّما تحصل المحبّة بالمعرفة و بإخراج حبّ الدّنيا من القلب حتّى تصير الدّنيا كالسجن المانع من المحبوب.
(بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف)
اعلم أنّ ما ذكرناه في دواء الصّبر و شرحناه في كتاب الصّبر و الشكر هو كاف في هذا الغرض لأنّ الصّبر لا يمكن إلّا بعد حصول الخوف و الرّجاء لأنّ أوّل مقامات الدّين اليقين الّذي هو عبارة عن قوّة الإيمان باللّه و اليوم الآخر و الجنّة و النّار، و هذا اليقين بالضّرورة يهيّج الخوف من النّار و الرّجاء للجنّة و الخوف و الرّجاء يقويان على الصبر، فإنّ الجنّة قد حفّت بالمكاره فلا يصبر على تحمّلها إلّا بقوّة الرّجاء و النّار قد حفّت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلّا بقوّة الخوف، و لذلك قال عليّ عليه السّلام: «من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشّهوات، و من أشفق من النّار رجع عن المحرّمات» [٤] ثمّ يؤدّي مقام الصبر المستفاد من
[١] ما عثرت عليه الا ما رواه الترمذي ج ١٣ ص ٢٧ من حديث أبي الدرداء عنه صلّى اللّه عليه و آله قال: كان من دعاء داود عليه السّلام و ذكر مثله بأدنى اختلاف.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٦٧ من حديث جابر و قد تقدم.
[٣] أخرجه الحاكم ج ٤ ص ٢٤٠ من حديث واثلة بن الاسقع.
[٤] النهج أبواب الحكم تحت رقم ٣٠. و الكافي ج ٢ ص ٥٠.
المحجة