المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٤
إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت. و أمّا أبو ذرّ- رضي اللّه عنه- فكانت له نويقات و شويهات يحلبها[١]و يذبح منها إذا اشتهى أهله اللّحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الّذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللّحم[٢]فيقسّمه بينهم و يأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم، و من أزهد من هؤلاء، و قد قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما قال و لم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و شيئهم و يؤثرون به على أنفسهم و عيالاتهم.
و اعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه أنّ رسول اللّه قال يوما:
«ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أنّه إن قرّض جسده في دار الدّنيا بالمقاريض كان خيرا له، و إن ملك ما بين مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له و كلّ ما يصنع اللّه به فهو خير له» فليت شعري هل يحيق فيكم [٣]ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم، أما علمتم أنّ اللّه قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرّجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم و من ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم فصار الرّجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة و أخبروني أيضا عن القضاة أ جورة هم حيث يقضون على الرّجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد و إنّي لا شيء لي فإن قلتم جورة ظلّمكم أهل الإسلام و إن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم و حيث تردّون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث، أخبروني لو كان الناس كلّهم كالّذين تريدون زهّادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى
[١] قوله: «نويقات» جمع نويقة مصغر ناقة و كذا «شويهات» جمع شويهة مصغر شاة.
[٢] القرم- محركة-: شدة شهوة اللحم.
[٣] يحيق فيه اى أثر فيه، و يحيق به: أحاط- و يحيق بهم: نزل. و في بعض النسخ من المصدر [يحق] اى يثبت و يستقر فيهم. و في بعضها [يحتفى]- بالحاء المهملة- فمعناه هل ببالغ في نصيحتكم و البربكم و في بعضها [يختفى] و الاختفاء جاء بمعنى الإظهار و الاستخراج و بمعنى الاستتار و التواري و كلا المعنيين محتمل هاهنا على بعد.
المحجة