المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٤
تركا للتنعّم بلين الثياب و استراحة حسّ اللّمس فسألته أمّه أن يلبس مكانها جبّة من صوف ففعل فأوحى اللّه إليه يا يحيى آثرت عليّ الدّنيا فبكى و نزع الصوف و عاد إلى ما كان. و جلس عيسى عليه السّلام في ظلّ حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال: ما أقمتني أنت إنّما أقامني الّذي لم يرض لي أن أتنعّم بظلّ الحائط، فإذن درجات الزّهد ظاهرا و باطنا لا حصر لها و أقلّ درجاته الزّهد في كلّ شبهة و محظور، فإن قلت:
مهما كان الصحيح هو أنّ الزّهد ترك ما سوى اللّه فكيف يتصوّر ذلك مع الأكل و الشرب و اللّبس و مخالطة الناس و مكالمتهم، فكلّ ذلك اشتغال بما سوى اللّه؟ فاعلم أنّ معنى الانصراف من الدّنيا إلى اللّه الإقبال بكلّ القلب إليه ذكرا و فكرا و لا يتصوّر ذلك إلّا مع البقاء، و لا بقاء إلّا بضرورات النفس فمهما اقتصرت من الدّنيا على دفع المهلكات عن البدن و كان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير اللّه فإنّ ما لا يتوصّل إلى الشيء إلّا به فهو منه فالمشتغل بعلف الناقة في طريق الحجّ ليس معرضا عن الحجّ و لكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق اللّه مثل ناقتك في طريق الحجّ و لا غرض لك في تنعّم ناقتك باللّذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتّى تسير بك إلى مقصدك، فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع و العطش المهلك بالأكل و الشرب و عن الحرّ و البرد المهلك باللّباس و المسكن فتقتصر على قدر الضرورة و لا تقصد التلذّذ بل التقوّي على طاعة اللّه فذلك لا يناقض الزّهد بل هو شرط الزّهد.
(بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضرورات الحياة)
اعلم أنّ ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول و إلى مهمّ فالفضول كالخيل المسوّمة مثلا إذ يقتنيها الإنسان ليركب و هو قادر على المشي و المهمّ كالأكل و الشرب و لسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول فإنّ ذلك لا ينحصر و إنّما ينحصر المهمّ الضروري و المهمّ أيضا يتطرّق إليه فضول في مقداره و جنسه و أوقاته فلا بدّ من بيان وجه الزّهد فيه، و المهمّات ستّة المطعم و الملبس و المسكن و أثاثه و المنكح و المال و الجاه يطلب لأغراض هذه الستّة من جملتها و قد ذكرنا معنى الجاه و سبب حب
المحجة