المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٤
أبديّة لا يعتريها فناء و لا زوال، و الصلاة و السلام على سيّد الأنبياء و آله خير آل.
أمّا بعد فإنّ الدّنيا عدوّة للَّه تعالى بغرورها ضلّ من ضلّ، و بمكرها زلّ من زلّ فحبّها رأس الخطايا و السيّئات، و بغضها أمّ الطاعات و اسّ الحسنات، و قد استقصينا ما يتعلّق بوصفها و ذمّ الحبّ لها في كتاب ذمّ الدّنيا من ربع المهلكات و نحن الآن نذكر فضل البغض لها و الزّهد فيها فإنّه رأس المنجيات، فلا مطمع في النجاة إلّا بالانقطاع عن الدّنيا و البعد منها و لكن مقاطعتها إمّا أن تكون بانزوائها عن العبد و يسمّى ذلك فقرا، و إمّا بانزواء العبد عنها و يسمّى ذلك زهدا، و لكلّ واحد منهما درجة في نيل السعادات و حظّ في الإعانة على الفوز و النجاة، و نحن الآن نذكر حقيقة الفقر و الزّهد و درجاتهما و أقسامهما و شروطهما و أحكامهما و نذكر الفقر في شطر من الكتاب و الزّهد في شطر آخر منه و نبدأ بذكر الفقر.
الشطر الأوّل من الكتاب في الفقر
و فيه بيان حقيقة الفقر و بيان فضيلة الفقر مطلقا، و بيان فضيلة خصوص الفقراء، و بيان فضل الفقير على الغني، و بيان أدب الفقير في فقره، و بيان أدبه في قبول العطاء، و بيان تحريم السؤال بغير ضرورة، و بيان مقدار الغنى المحرّم للسؤال، و بيان أحوال السائلين.
(بيان حقيقة الفقر و اختلاف أحوال الفقير و اساميه)
اعلم أنّ الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه فأمّا فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمّى فقرا، و إن كان المحتاج إليه موجودا مقدورا عليه لم يكن المحتاج فقيرا، و إذا فهمت هذا لم تشكّ في أنّ كلّ موجود سوى اللّه فهو فقير لأنّه محتاج إلى دوام الوجود في ثاني الحال و دوام وجود مستفاد من فضل اللّه وجوده، فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفادا له من غيره فهو الغني المطلق و لا يتصوّر أن يكون مثل هذا الموجود إلّا واحدا فليس في الوجود إلّا غنيّ واحد، و كلّ من عداه فإنّهم محتاجون إليه ليمدّ وجودهم بالدّوام و إلى هذا الحصر الإشارة بقوله تعالى: «وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ» [١] و هذا معنى الفقر مطلقا و لكنّا لسنا نقصد بيان الفقر المطلق
[١] محمد: ٣٨.
المحجة