المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٢
إنّ المعصية في الخمرين واحدة و إنّما الدّنّان ظروف، فكذلك أعيان المعاصي آلات للمعصية و المعصية من حيث إنّها مخالفة الأمر واحدة فإذن معنى عدم الصحّة أنّ اللّه وعد التائبين رتبة و تلك الرّتبة لا تنال إلّا بالندم و لا يتصوّر الندم على بعض المتماثلات دون بعض فهو كالملك المرتّب على الإيجاب و القبول فإنّه إذا لم يتمّ الإيجاب و القبول يقال: إنّ العقد لا يصحّ أي لم يترتّب عليه الثمرة و هو الملك و تحقيق هذا أنّ ثمرة مجرّد الترك أن ينقطع عنه عقاب ما تركه و ثمرة الندم تكفير ما سبق، فترك السرقة لا يكفّر السرقة بل الندم عليها و لا يتصوّر الندم إلّا لكونها معصية، و ذلك يعمّ جميع المعاصي، و هذا كلام مفهوم واقع يستنطق المنصف بتفصيل به ينكشف الغطاء، فنقول التوبة عن بعض الذّنوب لا تخلو إمّا أن تكون عن الكبائر دون الصغائر أو عن الصغائر دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة، أمّا التوبة عن الكبائر دون الصغائر فأمر ممكن لأنّه يعلم أنّ الكبائر أعظم عند اللّه و أجلب لسخط اللّه و مقته و الصغائر أقرب إلى تطرّق العفو إليها فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم و يتندّم عليه، كالّذي يجني على أهل الملك و حرمه و يجني على دابّته، فيكون خائفا من الجناية على الأهل، مستحقرا للجناية على الدّابّة.
و الندم بحسب استعظام الذّنب و اعتقاد كونه مبعدا عن اللّه. و هذا ممكن وجوده في الشرع فقد كثر التائبون في الأعصار الخالية و لم يكن أحد منهم معصوما فلا تستدعي التوبة العصمة، و الطبيب قد يحذّر المريض العسل تحذيرا شديدا و يحذّره السكّر تحذيرا أخفّ منه على وجه يشعر معه أنّه ربّما لا يظهر ضرر السكّر أصلا فيتوب المريض بقوله عن العسل دون السكّر فهذا غير محال وجوده و إن أكلهما جميعا بحكم شهوته ندم على أكل العسل دون السكّر.
الثاني أن يتوب عن بعض الكبائر
و هذا أيضا ممكن لاعتقاده أنّ بعض الكبائر أشدّ و أغلظ عند اللّه كالّذي يتوب عن القتل و النهب و الظلم و مظالم العباد لعلمه بأنّ ديوان العباد لا يترك و ما بينه و بين اللّه يتسارع العفو إليه فهذا أيضا ممكن كما في تفاوت الصغائر و الكبائر لأنّ الكبائر أيضا متفاوتة في أنفسها و في اعتقاد مرتكبها
المحجة