المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٧
الملك و الملكوت و قد أهلك نفسه إلّا أن يتبع السيّئة بحسنة تمحوها فيتبدّل اللّعن بالاستغفار فعسى اللّه أن يتوب عليه و يتجاوز عنه. و أوحى اللّه إلى أيّوب عليه السّلام:
ما عبد لي من الآدميّين إلّا و معه ملكان فإذا شكرني على نعمائي قال الملكان: اللّهمّ زده نعما على نعم فإنّك أهل الحمد و الشكر فكن من الشاكرين قريبا، فكفى بالشاكرين علوّ رتبة عندي أنّي أشكر شكرهم و ملائكتي يدعون لهم و البقاع تحبّهم و الآثار تبكي عليهم. و كما عرفت أنّ في كلّ طرفة عين نعما كثيرة فاعلم أنّ في كلّ نفس ينبسط و ينقبض نعمتين إذ بانبساطه يخرج الدّخان المحترق من القلب و لو لم يخرج لهلك، و بانقباضه يجمع روح الهواء إلى القلب و لو سدّ متنفّسه لا نقطع قلبه بانقطاع روح الهواء و برودته عنه و هلك، بل اليوم و اللّيلة أربع و عشرون ساعة و في كلّ ساعة قريب من ألف نفس و كلّ نفس قريب من عشر لحظات فعليك في كلّ لحظة آلاف ألف نعمة في كلّ جزء من أجزاء بدنك بل في كلّ جزء من أجزاء العالم فانظر هل يتصوّر إحصاء ذلك أم لا؟ و لمّا انكشف لموسى عليه السّلام حقيقة قوله تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» قال: إلهي كيف أشكرك و لك في كلّ شعرة من جسدي نعمتان أن ليّنت أصلها و أن طميت رأسها[١]، و لذلك ورد في الأثر: من لم يعرف نعمة اللّه عزّ و جلّ إلّا في مطعمه و مشربه فقد قل علمه و حضر عذابه. و جميع ما ذكرناه يرجع إلى المطعم و المشرب فاعتبر ما سواه من النعم به فإنّ البصير لا يقع عينه في العالم على شيء و لا يلمّ خاطره بموجود إلّا و يتحقّق أنّ للَّه تعالى فيه نعمة عليه فلنترك الاستقصاء و التفصيل فإنّه طمع في غير مطمع.
(بيان السبب الصارف للخلق عن الشكر)
اعلم أنّه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلّا الجهل و الغفلة فإنّهم صرفوا بالجهل و الغفلة عن معرفة النعم و لا يتصوّر شكر النعمة إلّا بعد معرفتها ثمّ إنّهم إن عرفوا نعمة ظنّوا أنّ الشكر عليها أن يقولوا بلسانهم الحمد للَّه الشكر للَّه و لم يعرفوا
[١] طمى النبت: طال و ارتفع.
المحجة