المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٦
ما يضرّ في الحال و يؤلم و لكن ينفع في المآل كقمع الشهوات و مخالفة النفس فالنافع في الحال و المآل هو النعمة تحقيقا كالعلم و حسن الخلق، و الضارّ فيهما هو البلاء تحقيقا و هو ضدّهما، و النافع في الحال المضرّ في المآل بلاء محض عند ذوي الأبصار و تظنّه الجهّال نعمة، و مثاله الجائع إذا وجد عسلا فيه سمّ فإنّه يعدّه نعمة إن كان جاهلا، و إذا علمه علم أنّ ذلك بلاء سيق إليه و الضارّ في الحال النافع في المآل نعمة عند ذوي الألباب بلاء عند الجهّال و مثاله الدّواء البشع في الحال مذاقه إلّا أنّه شاف من الأمراض و الأسقام و جالب للصحّة و السلامة فالصبيّ الجاهل إذا كلّف شربه ظنّه بلاء و العاقل يعدّه نعمة و يتقلّد المنّة ممّن يهديه إليه و يهيّئ له أسبابه فلذلك تمنع الامّ ولدها من الحجامة و الأب يدعوه إليها فإنّ الأب لكمال عقله يلحظ العاقبة و الأمّ لقصورها و فرط حبّها تلحظ الحال و الصبيّ لجهله يتقلّد منّة من أمّه دون أبيه و يأنس إليها و إلى شفقتها و يقدّر الأب عدوّا له، و لو عقل لعلم أنّ الأمّ عدوّ باطنا في صورة صديق لأنّ منعها إيّاه من الحجامة يسوقه إلى آلام و أمراض أشدّ عليه من الحجامة، و لكن الصديق الجاهل شرّ من العدوّ العاقل و كلّ إنسان فإنّه صديق نفسه و لكنّه صديق جاهل فلذلك يعمل به ما لا يعمل به العدوّ.
القسمة الثانية:
اعلم أنّ الأسباب الدّنياويّة مختلطة و قد امتزج خيرها بشرّها فقلّما يصفو خيرها كالمال و الأهل و الولد و الأقارب و الجاه و سائر الأسباب و لكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضرّه كقدر الكفاية من المال و الجاه و سائر الأسباب، و إلى ما ضرّه أكثر من نفعه في حقّ أكثر الأشخاص كالمال الكثير و الجاه الواسع و إلى ما يكافئ ضرّه نفعه، و هذه أمور تختلف الأشخاص، فربّ إنسان صالح ينتفع بالمال الصالح و إن كثر فينفقه في سبيل اللّه و يصرفه إلى الخيرات فهو مع هذا التوفيق نعمة في حقّه، و ربّ إنسان يستضرّ بالقليل أيضا إذ لا يزال مستصغرا له شاكيا من ربّه.
طالبا للزيادة عليه فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقّه.
القسمة الثالثة:
اعلم أنّ الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هو مؤثّر لذاته لا لغيره و إلى مؤثّر لغيره و إلى مؤثّر لذاته و لغيره، فالأوّل ما يؤثّر لذاته لا لغيره كلذّة النظر إلى
المحجة