المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «للَّه أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوّيّة[١]مهلكة معه راحلته عليها طعامه و شرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ و قد ذهبت راحلته فطلبها حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ و العطش أو ما شاء اللّه قال:
أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه فأنام حتّى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده و شرابه، فاللّه أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته» [١]. و في بعض الألفاظ قال من شدّة فرحه إذا أراد شكر اللّه «أنا ربّك و أنت عبدي» [٢].
و يروى أنّه لما تاب اللّه على آدم عليه السّلام هنّأته الملائكة فهبط عليه جبرئيل و ميكائيل فقالا: يا آدم قرّت عينك بتوبة اللّه عزّ و جلّ عليك، فقال آدم: يا جبرئيل فإن كان بعد هذه التّوبة سؤال فأين مقامي فأوحى اللّه إليه يا آدم ورّثت ذرّيتك التعب و النصب و ورّثتهم التوبة فمن دعاني منهم لبّيته كتلبيتك و من سألني المغفرة لم أبخل عليه لأنّي قريب مجيب، يا آدم و أحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين و دعاؤهم مستجاب. و الأخبار و الآثار في ذلك لا تحصى.
(١) أقول:
و من طريق الخاصّة
ما رواه في الكافي عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام أنّه قال: «إنّ اللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته و زاده في ليلة ظلماء فوجدها فاللّه تعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها» [٣].
و عن الصادق عليه السّلام «إنّ اللّه يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحد كم بضالّته إذا وجدها» [٤].
و عنه عليه السّلام في قوله تعالى: «تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً» قال: «هو الذّنب الّذي
[١] بفتح الدال المهملة و تشديد الواو و الياء جميعا- منسوب إلى الدو بتشديد الواو و هي البرية التي لا نبات فيها. و الداوية هنا على إبدال أحد الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طيّ طائى. (قاله السنوسى)
[١] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٩٢ من حديث عبد اللّه بن مسعود.
[٢] أخرجه أيضا مسلم ج ٨ ص ٩٣ من حديث أنس.
[٣] المصدر ج ٢ ص ٤٣٥ و ٤٣٦ تحت رقم ٨.
[٤] المصدر ج ٢ ص ٤٣٥ و ٤٣٦ تحت رقم ١٣.
المحجة البيضاء، جلد٧، ص: ٩
لا يعود فيه أبدا. قيل: و أيّنا لم يعد؟ قال: يا فلان إنّ اللّه يحبّ من عباده المفتّن التّواب»[١]. و في رواية أخرى «و من لا يكون ذلك منه كان أفضل» [١].
و عنه عليه السّلام قال: «إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه اللّه فستر عليه. قيل: و كيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه و يوحي اللّه إلى جوارحه و إلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى اللّه تعالى حين يلقاه و ليس شيء يشهد عليه بشيء من الذّنوب» [٢].
و عن الباقر عليه السّلام «التائب من الذّنب كمن لا ذنب له، و المقيم على الذّنب و هو يستغفر منه كالمستهزئ» [٣].
و عن بعض أصحابنا رفعه قال: «إنّ اللّه أعطى التوّابين ثلاث خصال لو أعطي خصلة منها جميع أهل السّماوات و الأرض لنجوا بها قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» [٤] فمن أحبّه اللّه لم يعذّبه و قوله: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [٥] و قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ- إلى قوله- وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» [٦].
قال أبو حامد:
و الإجماع منعقد من الامّة على وجوبها
إذا معناه العلم بأنّ الذّنوب و المعاصي مهلكات و مبعدات من اللّه و هذا داخل في وجوب الايمان و لكن قد تدهش الغفلة عنه فمعنى هذا العلم إزالة هذه الغفلة و لا خلاف في وجوبها و من معانيها ترك المعاصي في الحال و العزم على تركها في الاستقبال و تدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال و ذلك لا شكّ في وجوبه. و أمّا التندّم على ما سبق و التحزّن عليه فواجب و هو روح التّوبة و به تمام التلافي فكيف لا يكون واجبا بل هو نوع
[١] الكافي ج ٢ ص ٤٣٢ تحت رقم ٤. و المعنى التوبة من الذنب. الذي لا يعود.
[١] المصدر ج ٢ ص ٤٣٥ تحت رقم ٩.
[٢] المصدر ج ٢ ص ٤٣٦ تحت رقم ١٢ و ١٣.
[٣] المصدر ج ٢ ص ٤٣٦ تحت رقم ١٢ و ١٣.
[٤] البقرة: ٢٢٢.
[٥] المؤمن ٧ إلى ١٠.
[٦] الفرقان: ٦٨ إلى ٧٠.
المحجة