المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٩
و انظر إلى الإبل كيف خلقت، و إلى الخيل كيف ايّدت بسرعة الحركة، و إلى الحمار كيف جعل صبورا على التعب، و إلى الجمال كيف تقطع البراري و تطوي المراحل تحت الأعباء الثقيلة على الجوع و العطش، و انظر كيف سيّرهم اللّه بواسطة السفن و الحيوانات في البرّ و البحر ليحملوا إليك الأطعمة و سائر الحوائج و تأمّل ما يحتاج إليه الحيوانات من أسبابها و أدواتها و علفها و ما يحتاج إليه السفن و قد خلق اللّه تعالى جميع ذلك إلى حدّ الحاجة و فوق الحاجة و إحصاء ذلك غير ممكن و يتمادى ذلك إلى أمور خارجة عن الحصر نرى تركها طلبا للإيجاز.
الطرف السادس في إصلاح الأطعمة:
اعلم أنّ الّذي ينبت في الأرض من النبات و ما يخلق من الحيوانات لا يمكن أن يقضم[١]و يؤكل و هو كذلك بل لا بدّ في كلّ واحد من إصلاح بطبخ و تركيب و تنظيف بإلقاء البعض و إبقاء البعض إلى أمور أخر لا تحصى و استقصاء ذلك في كلّ طعام طويل فلنعيّن رغيفا واحدا و لننظر إلى ما يحتاج إليه الرّغيف الواحد حتّى يستدير و يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض فأوّل ما يحتاج إليه الحرّاث ليزرع و يصلح الأرض، ثمّ الثور الّذي تثير به الأرض و الفدّان [٢]و جميع أسبابه، ثمّ بعد ذلك التعهّد بسقي الماء مدّة ثمّ تنقية الأرض من الحشيش، ثمّ الحصاد، ثمّ الفرك و التنقية، ثمّ الطحن، ثمّ العجن، ثمّ الخبز، فتأمّل عدد هذه الأفعال الّتي ذكرناها و ما لم نذكره و عدد الأشخاص القائمين بها و عدد الآلات الّتي يحتاج إليها من الحديد و الخشب و الحجر و غيره و انظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة و الطحن و الخبز من نجّار و حدّاد و غيرهما، و انظر إلى حاجة الحدّاد إلى الحديد و الرّصاص و النحّاس، و انظر كيف خلق اللّه الجبال و الأحجار و المعادن و كيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة، فإن فتّشت علمت أنّ رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك- يا مسكين- ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع فابتدئ من الملك الّذي يزجي السحاب
[١] قضم- كسمع-: أكل بأطراف أسنانه، أو أكل يابسا.
[٢] الفدان- بتخفيف الدال و تشديدها-: الثوران يقرن بينهما للحرث.
المحجة