المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٧
و إن لم يكن دواء نافعا، و لكنّه يسير الضرر. و السمّ محظور شربه، و الدّواء فرض تناوله و ما بينهما مشتبه أمره، فمن احتاط فإنّما يحتاط لنفسه و من تساهل فإنّما يتساهل على نفسه و من استبرء لدينه و ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، و ردّ نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم و هو من الفرقة الناجية لا محالة و المقتصر على قدر الضرورة و المهمّ لا يجوز أن ينسب إلى الدّنيا بل ذلك القدر من الدّنيا هو عين الدّين لأنّه شرط الدّين و الشرط من جملة المشروط، فإذن قدر الحاجة من الدّين و ما وراء ذلك و بال في الآخرة و هو في الدّنيا أيضا كذلك يعرفه من عاين أحوال الأغنياء و ما عليهم من المحنة في كسب المال و جمعه و حفظه و احتمال الذّلّ فيه، و غاية سعادته فيه أن يسلّم لورثته فيأكلونه و هم أعداؤه و ربّما يستعينون به على المعصية فيكون هي معينا لهم عليها و لذلك شبّه جامع الدّنيا و متّبع الشهوات بدود القزّ لا يزال ينسج على نفسه حيّا ثمّ يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت و يهلك بسبب عمله الّذي عمله بنفسه قال الشاعر:
ألم تر أنّ المرء طول حياته
معنّى بأمر لا يزال معالجه
كدود كدود القزّ ينسج دائما
و يهلك غمّا وسط ما هو ناسجه
فكذلك كلّ من اتّبع شهوات الدّنيا فإنّما يحكم على قلبه سلاسل تقيّده بما يشتهيه حتّى تتظاهر عليه السلاسل فيقيّده المال و الجاه و الأهل و الولد و شماتة الأعداء و مراياة الأصدقاء و سائر حظوظ الدّنيا فلو خطر له أنّه قد أخطأ فيه و قصد الخروج من الدّنيا لم يقدر عليه و رأى قلبه مقيّدا بسلاسل و أغلال لا يقدر على قطعها و لو ترك محبوبا من محابّه باختياره كاد أن يكون قاتلا لنفسه و ساعيا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه و بين جميعها دفعة واحدة فتبقى السلاسل في قلبه معلّقة بالدّنيا الّتي هي فاتته و خلفها فهي تجاذبه إلى الدّنيا و مخالب ملك الموت قد تعلّقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون أهواله عند الموت أن يكون مثل شخص ينشر بالمناشير و يفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين و الّذي ينشر بالمنشار إنّما ينزل الألم ببدنه و يألمه من حيث يسرى أثره إلى قلبه فكيف الظنّ بألم يتمكّن
المحجة