المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٥
بالخواتيم» [١] و هذا كانقسام الخائفين إلى من يخاف معصيته و خيانته، و إلى من يخاف اللّه تعالى نفسه لصفته و جلاله و أوصافه الّتي تقتضي الهيبة لا محالة فهذه أعلى رتبة و لذلك يبقى خوفه و إن كان في طاعة الصدّيقين، و أمّا الآخر فهو في عرصة الغرور، و الآمن إن واظب على الطاعات فالخوف من المعصية خوف الصالحين و الخوف من اللّه تعالى خوف الموحّدين و الصدّيقين و هو ثمرة المعرفة باللّه تعالى فكلّ من عرفه و عرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية. الطبقة الثانية من الخائفين أن يتمثّل في أنفسهم ما هو المكروه و ذلك مثل سكرات الموت و شدّته أو سؤال منكر و نكير أو عذاب القبر أو هول المطّلع أو هيبة الموقف بين يدي اللّه تعالى و الحياء من كشف الستر و السؤال عن النقير و القطمير، أو الخوف من الصراط و حدّته و كيفيّة العبور عليه، أو الخوف من النار و أغلالها و أهوالها، أو الخوف من الحرمان عن الجنّة دار النعيم و الملك المقيم و عن نقصان الدّرجات، أو الخوف من الحجاب عن اللّه تعالى و كلّ هذه الأسباب مكروهة في نفسها فهي لا محالة مخوفة و تختلف أحوال الخائفين فيها و أعلاها رتبة هو خوف الفراق و الحجاب عن اللّه و هو خوف العارفين و ما قبل ذلك خوف العابدين و الصالحين و الزّاهدين و كافّة العاملين و من لم يكمل معرفته و لم ينفتح بصيرته لم يشعر بلذّة الوصال و لا بألم البعد و الفراق و إذا ذكر له أنّ العارف لا يخاف النار و إنّما يخاف الحجاب وجد ذلك منكرا في باطنه و تعجّب منه في نفسه لأنّه لا يعرف إلّا لذّة الفرج و البطن و العين بالنظر إلى الألوان و الوجوه الحسان، و بالجملة كلّ لذّة تشاركه البهائم فيها فأمّا لذّة العارفين فلا يدركها غيرهم و تفصيل ذلك و شرحه حرام مع من ليس أهلا له و من كان أهلا له استبصر بنفسه و استغنى عن أن يشرحه له غيره فإلى هذه الأقسام يرجع خوف الخائفين.
(بيان فضيلة الخوف و الترغيب فيه)
اعلم أنّ فضل الخوف تارة يعرف بالتأمّل و الاعتبار و تارة بالآيات و الأخبار
[١] أخرجه الترمذي من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ج ٨ ص ٣٠٨ و قال: حسن صحيح غريب.
المحجة البيضاء، جلد٧، ص: ٢٧٦
أمّا الاعتبار
فسبيله أنّ فضيلة الشيء بقدر إعانته في الإفضاء إلى سعادة لقاء اللّه إذ لا مقصود سوى السعادة و لا سعادة للعبد إلّا في لقاء اللّه مولاه و القرب منه فكلّ ما أعان عليه فله فضيلة و فضيلته بقدر إعانته و قد ظهر أنّه لا وصول إلى سعادة لقاء اللّه في الآخرة إلّا بتحصيل محبّته و الانس به في الدّنيا و لا تحصل المحبّة إلّا بالمعرفة و لا تحصل المعرفة إلّا بدوام الفكر و لا يحصل الانس إلّا بالمحبّة و دوام الذّكر و لا تتيسّر المواظبة على الذّكر و الفكر إلّا بانقلاع حبّ الدّنيا من القلب و لا ينقلع ذلك إلّا بترك لذّات الدّنيا و شهواتها و لا يمكن ترك المشتهيات إلّا بقمع الشهوات و لا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف و الخوف هو النار المحرقة للشهوات فإذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة و بقدر ما يكفّ عن المعاصي و يحثّ على الطاعات، و يختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق، و كيف لا يكون الخوف ذا فضيلة و به تحصل العفّة و الورع و التقوى و المجاهدة و هي الأعمال الفاضلة المحمودة الّتي يتقرّب بها إلى اللّه تعالى زلفى،
[الآيات]
و أمّا بطريق الاقتباس من الآيات و الأخبار، فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر و ناهيك دلالة على فضيلته جمع اللّه تعالى للخائفين الهدى و الرحمة و العلم و الرّضوان و هي مجامع مقامات أهل الجنان قال اللّه تعالى: «هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» [١] و قال تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» [٢] فوصفهم للعلم بخشيتهم و قال تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» [٣] و كلّ ما دلّ على فضيلة العلم دلّ على فضيلة الخوف لأنّ الخوف ثمرة العلم و لذلك جاء في خبر موسى عليه السّلام: و أمّا الخائفون فإنّ لهم الرّفيق الأعلى لا يشاركون فيه، فانظر كيف أفردهم بمرافقة الرّفيق الأعلى و ذلك لأنّهم العلماء و العلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء لأنّهم ورثة الأنبياء، و مرافقة الرّفيق الأعلى للأنبياء و من يلحق بهم و لذلك لمّا خيّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مرض موته بين البقاء في الدّنيا
[١] الأعراف: ١٥٤.
[٢] فاطر: ٢٨.
[٣] البينة: ٨.
المحجة