المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٦
إلى الخبز الفاقد له لو آتاه اللّه الخبز عفوا صفوا فتأذّى به و هرب من أخذه عدّ من المجانين و لا يأتي لفضله بيان في كلام أبي حامد و كيف نبيّن ما ليس، ثمّ التقسيم الّذي ذكره ليس بسديد و ذلك لأنّ المضطرّ ليس قسيما للأربعة الاخر بل هو أيضا ينقسم إلى بعضها كما أشار إليه أبو حامد فيما بعد، فالصواب أن يقسم الفقير أوّلا إلى مضطرّ و غير مضطرّ ثمّ يقسم غير المضطرّ إلى الأقسام الأربعة، و يقسم المضطرّ إلى بعضها ممّا يتصوّر ثمّ يذكر ترتيب الفضل في أقسام كلّ منهما على حدة.
قال: و وراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزّهد و هي أن يستوي عنده وجود المال و فقده فإن وجده لم يفرح به و لم يتأذّ و إن فقده فكذلك.
(١) أقول: لم نجد، فرقا بيّنا بين هذه الحالة و الحالة الثانية الّتي سمّاها رضا.
قال: فمن هذه حاله فلو كانت الدّنيا بحذافيرها في يده و خزانته لم تضرّه إذ هو يرى الأموال في خزانة اللّه لا في يد نفسه فلا يفرق بين أن يكون في يده أو في يد غيره، و ينبغي أن يسمّى صاحب هذه الحالة المستغني لأنّه غنيّ عن فقد المال و وجوده جميعا و ليفهم من هذا الاسم معنى يفارق معنى اسم الغنيّ المطلق على اللّه تعالى و على من كثر ماله من العباد فإنّ من كثر ماله من العباد و هو يفرح به فهو فقير إلى بقاء المال في يده و إنّما هو غنيّ عن دخول المال في يده لا عن بقائه في يده فهو إذن فقير من وجه، و أمّا هذا الشخص فهو غنيّ عن دخول المال في يده و عن بقائه في يده و عن خروجه من يده أيضا، فإنّه ليس يتأذّى به ليحتاج إلى الخروج و ليس يفرح به ليحتاج إلى البقاء و ليس فاقدا له ليحتاج إلى الدّخول في يده فغناه إلى العموم أميل فهو إلى الغنى الّذي هو وصف اللّه أقرب، و إنّما قرب العبد من اللّه بقرب الصفات لا بقرب المكان و لكنّا لا نسمّي صاحب هذه الحالة غنيّا بل مستغنيا ليبقى الغنى اسما لمن له الغنى المطلق عن كلّ شيء و هو اللّه سبحانه، و أمّا هذا العبد و إن استغنى عن المال وجودا و عدما فلم يستغن عن أشياء أخر سواه و لم يستغن عن مدد توفيق اللّه له ليبقى استغناؤه الّذي زيّن اللّه به قلبه فإنّ القلب المقيّد بحبّ المال رقيق و المستغني عنه حرّ و اللّه تعالى هو الّذي أعتقه من هذا الرّقّ فهو محتاج إلى دوام هذا العتق، و القلوب متقلّبة بين الرّقّ و الحرّيّة في أوقات متقاربة لأنّها
المحجة