المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٢
المقيم و الملك العظيم، بل البصير ينبغي أن لا يفرح إلّا بالمعرفة و اليقين و الإيمان، بل نحن نعلم من العلماء من لو سلّم إليه جميع ما دخل تحت قدرة ملوك الأرض من الشرق إلى الغرب من أموال و أتباع و أنصار و قيل له: خذ هذا عوضا عن علمك بل عن عشر عشير علمك لم يأخذه و ذلك لرجائه أنّ نعمة العلم تفضي به إلى قرب اللّه سبحانه و تعالى في الآخرة بل لو قيل له: لك في الآخرة ما ترجوه بكماله فخذ هذه اللّذّات في الدّنيا بدلا عن التذاذك بالعلم في الدّنيا و فرحك به لكان لا يأخذه لعلمه بأنّ لذّة العلم دائمة لا تنقطع، و ثابتة لا تسرق و لا تغصب و لا تنافس فيها و أنّها صافية لا كدورة فيها، و لذّات الدّنيا كلّها ناقصة مكدّرة مشوّشة لا يفي مرجوّها بمخوفها و لا لذّتها بألمها و لا فرحها بغمّها هكذا رئي إلى الآن، و هكذا تكون في ما بقي من الزّمان إذ ما خلقت لذّات الدّنيا إلّا لتجلب بها العقول الناقصة و تخدع حتّى إذا انخدعت و تقيّدت بها أبت عليها و استعصت كالمرأة الجميلة ظاهرها تتزيّن للشابّ الشبق الغني حتّى إذا تقيّد بها قلبه استعصت عليه و احتجبت عنه فلا يزال معها في عناء دائم و تعب قائم، و كلّ ذلك لاغتراره بلذّة النظر إليها في لحظة و لو عقل و غضّ البصر و استهان بتلك اللّذة سلم جميع عمره فهكذا وقوع أرباب الدّنيا في شباك الدنيا و حبائلها فلا ينبغي أن نقول: إنّ المعرض عن الدّنيا متألّم بالصبر عنها فإنّ المقبل أيضا عليها متألّم بالصبر عليها و حفظها و تحصيلها و دفع اللّصوص عنها و تألّم المعرض يفضي إلى لذّة في الآخرة و تألّم المقبل يفضي إلى الألم في الآخرة فليقرأ المعرض عن الدّنيا على نفسه قوله تعالى: «وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ» [١] فإذن إنّما انسدّ طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة و الباطنة و الخاصّة و العامّة.
فإن قلت: فما علاج هذه القلوب الغافلة حتّى تشعر بنعم اللّه فعساها تشكر؟
فأقول: أمّا القلوب البصيرة فعلاجها التأمّل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم اللّه تعالى العامّة و أمّا القلوب البليدة الّتي لا تعدّ النعمة نعمة إلّا إذا خصّته أو أشعر بالبلاء معها
[١] النساء: ١٠٥.
المحجة