المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٠
بالمكاره و حفّت النّار بالشهوات» [١] و قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه خلق النّار فقال لجبرئيل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: و عزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفّها بالشهوات ثمّ قال: اذهب فانظر إليها فنظر فقال: و عزّتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلّا دخلها، و خلق الجنّة فقال لجبرئيل. اذهب فانظر إليها فنظر فقال: و عزّتك لا يسمع بها أحد إلّا دخلها، فحفّها بالمكاره ثمّ قال: اذهب فانظر إليها فنظر فقال: و عزّتك لقد خشيت ألاّ يدخلها أحد» [٢] فإذن كون الشهوة مرهقة في الحال و كون العقاب متأخّرا إلى المآل سببان ظاهران في الاسترسال مع حصول أصل الإيمان، فليس كلّ من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدّة عطشه مكذّبا بأصل الطبّ و لا مكذّبا بأنّ ذلك مضرّ في حقّه، و لكنّ الشهوة تغلبه و ألم الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر، و الثالث أنّه ما من مذنب مؤمن إلّا و هو في الغالب عازم على التوبة و تكفير السيّئات بالحسنات و قد وعد بأنّ ذلك يجبره إلّا أنّ طول الأمل غالب على الطباع فلا يزال يسوّف التوبة و التكفير فمن حيث رجائه التوفيق للتّوبة ربّما يقدم عليه مع الإيمان، و الرّابع أنّه ما من مؤمن موقن إلّا و هو معتقد أنّ الذّنب لا يوجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها فهو يذنب و ينتظر العفو اتّكالا على فضل اللّه، فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذّنب مع بقاء أصل الإيمان نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل الإيمان و هو كونه شاكّا في صدق الرّسل و هذا هو الكفر كالّذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضرّه في المرض و كان المحذّر ممّا لا يعتقد فيه أنّه عالم بالطبّ فيكذّبه أو يشكّ فيه فلا يبالي به فهذا هو الكفر، فإن قلت: فما علاج الأسباب الخمسة؟ فأقول: هو الفكر و ذلك بأن يقرّر على نفسه في السّبب الأوّل و هو تأخّر العقاب أنّ كلّ ما هو آت آت و أنّ غدا للناظرين قريب و أنّ الموت أقرب إلى كلّ أحد من شراك
[١] أخرجه الترمذي ج ١٠ ص ٣٢ و أحمد و مسلم من حديث أنس و أيضا أحمد في الزهد عن ابن مسعود و مسلم أيضا عن أبي هريرة كلهم بسند صحيح كما في الجامع الصغير.
[٢] أخرجه الترمذي ج ١٠ ص ٣٣.
المحجة البيضاء جلد٧ ١٠١ و الأصل الثاني: الصبر ..... ص : ٩٨
المحجة