المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٢
من أمواج البحر، و إنّما المخوف عند الموت خاطر سوء يخطر فقط و هو الّذي قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة خمسين سنة حتّى لا يبقى بينه و بين الجنّة إلّا فواق ناقة فيختم له بما سبق به الكتاب» [١] و لا يتّسع فواق ناقة لأعمال توجب الشقاوة بل هي الخواطر الّتي تضطرب و تخطر خطور البرق الخاطف، و قال سهل: رأيت كأنّي دخلت الجنّة فرأيت ثلاثمائة نبيّ فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدّنيا؟ قالوا: سوء الخاتمة و لأجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مغبوطا عليها و كان موت الفجأة مكروها أمّا الموت فجأة فلأنّه ربّما يتّفق عند غلبة خاطر سوء و استيلائه على القلب و القلب لا يخلو عن أمثالها إلى أن يدفع بالكراهة أو بنور المعرفة و أمّا الشهادة فلأنّها عبارة عن قبض الرّوح في حالة لم يبق في القلب سوى حبّ اللّه و خرج حبّ الدّنيا و الأهل و المال و الولد و جميع الشهوات عن القلب، إذ لا يهجم على صفّ القتال موطّنا نفسه على الموت إلّا حبّا للَّه و طالبا لمرضاته، و بايعا دنياه بآخرته، و راضيا بالبيع الّذي بايعه اللّه به إذ قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» [٢] و البائع راغب عن المبيع لا محالة و مخرج حبّه من القلب، و مجرّد حبّ العوض المطلوب في قلبه، و مثل هذه الحالة قد يغلب في بعض الأحوال و لكن لا يتّفق زهوق الرّوح فيها فصفّ القتال سبب زهوق الرّوح على مثل هذه الحالة، و هذا فيمن ليس يقصد الغلبة و الغنيمة و حسن الصيت بالشجاعة فإنّ من هذا حاله و إن قتل في المعركة فهو بعيد عن مثل هذه الرّتبة كما دلّت عليه الأخبار. و إذ بان لك معنى سوء الخاتمة و ما هو مخوف فيها فاشتغل بالاستعداد لها و واظب على ذكر اللّه و أخرج من قلبك حبّ الدّنيا و احرس عن فعل المعاصي جوارحك و عن الفكر فبها قلبك و احترز عن مشاهدة المعاصي و مشاهدة أهلها جهدك فإنّ ذلك أيضا يؤثّر في قلبك و يصرف إليه فكرك و خواطرك، و إيّاك أن تسوّف و تقول: سأستعدّ لها إذا جاءت الخاتمة فإنّ كلّ نفس من أنفاسك خاتمتك
[١] روى نحوه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير و قد تقدم.
[٢] التوبة: ١١١.
المحجة