المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠
هو الّذي لا بدّ منه للوصول به إلى القرب المطلوب من ربّ العالمين و المقام المحمود بين الصدّيقين و التوبة عن جميع ما ذكرناه واجبة في الوصول إليه كما يقال: الطهارة واجبة في صلاة التطوّع أي لمن يريدها فإنّه لا يتوصّل إليها إلّا بها فأمّا من رضي بالنقصان و الحرمان عن فضل صلاة التطوّع فالطهارة ليست واجبة عليه لأجلها كما يقال: العين و الاذن و اليد و الرّجل شرط في وجود الإنسان يعني أنّه شرط لمن يريد أن يكون إنسانا كاملا ينتفع بإنسانيّته و يتوصّل بها إلى الدّرجات العلى في الدّنيا فأمّا من قنع بأصل الحياة و رضي بأن يكون كلحم على و ضم[١]و كخرقة مطروحة فليس يشترط لمثل هذه الحياة عين و يد و رجل، فأصل الواجبات الدّاخلة في فتوى العامّة لا يوصل إلّا إلى أصل النجاة و أصل النجاة كأصل الحياة و ما وراء أصل النجاة من السعادات الّتي بها يتهيّأ النجاة يجري مجرى الأعضاء و الآلات الّتي بها يتهيّأ الحياة و فيه سعى الأنبياء و الأولياء و العلماء و الأمثل فالأمثل، و عليه كان حرصهم و حواليه كان تطوافهم، و لأجله كان رفضهم لملاذّ الدّنيا بالكلّيّة حتّى انتهى عيسى صلوات اللّه عليه إلى أن توسّد حجرا في منامه فجاء إليه الشيطان و قال: أما كنت تركت الدّنيا للآخرة؟ فقال: نعم و ما الّذي حدث؟ فقال: توسّدك لهذا الحجر تنعّم بالدّنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض فرمى عيسى بالحجر و وضع رأسه على الأرض و كان رميه الحجر توبة عن ذلك التنعّم، أ فترى أنّ عيسى عليه السّلام لم يعلم أن وضع الرأس على الأرض لا يسمّى واجبا في فتاوى العامّة، فتأمّل أحوال هؤلاء الّذين هم أعرف خلق اللّه باللّه و بطريق اللّه و بمكر اللّه و بمكامن الغرور باللّه و إيّاك مرّة واحدة أن تغرّك الحياة الدّنيا و إيّاك ثمّ إيّاك ألف مرّة أن يغرّك باللّه الغرور، فهذه أسرار من استنشق مبادي روائحها علم أنّ لزوم التوبة النصوح لازم للعبد السالك في كلّ نفس من أنفاسه و لو عمّر عمر نوح و أنّ ذلك واجب على الفور من غير مهلة و لقد صدق من قال: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلّا على فوت ما مضى منه في غير طاعة اللّه لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف من يستقبل ما بقي من
[١] الوضم: خشبة الجزار التي يقطع عليها اللحم.
المحجة