المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٨
و قال موسى عليه السّلام للخضر: أوصني فقال: كن بسّاما و لا تكن غضّابا و كن نفّاعا و لا تكن ضرّارا. و انزع عن اللّجاجة، و لا تمش في غير حاجة، و لا تضحك من غير عجب، و لا تعيّر الخطّائين بخطاياهم، و ابك على خطيئتك يا ابن عمران.
و قال رجل لمحمّد بن كرّام: أوصني فقال: اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك.
فهذه المواعظ مثل الأغذية الّتي يشترك الكافّة في الانتفاع بها و لأجل فقد مثل هؤلاء الوعّاظ انحسم باب الاتّعاظ و غلبت المعاصي و استسرى الفساد و بلي الخلق بوعّاظ يزخرفون أسجاعا و ينشدون أبياتا و يتكلّفون ذكر ما ليس في سعة علمهم و يتشبّهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامّة و قارهم و لم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب بل القائل متصلّف[١]و المستمع متكلّف و كلّ واحد منهما مدبر متخلّف، فإذن كان طلب الطبيب أوّل علاج المرضى فطلب العلماء أوّل علاج العاصين، فهذا أحد أركان العلاج و أصوله.
و الأصل الثاني: الصبر
و وجه الحاجة إليه أنّ المريض إنّما يطول مرضه لتناوله ما يضرّه و إنّما يتناول ذلك إمّا لغفلته عن مضرّته و إمّا لشدّة غلبة شهوته فله سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة فيبقى علاج الشهوة و طريق علاجها قد ذكرناه في كتاب رياضة النفس، و حاصله أنّ المريض إذا اشتدّت ضراوته لمأكول مضرّ فطريقه أن يستشعر عظم ضرره ثمّ يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره ثمّ يتسلّى عنه بما يقرب منه في صورته و لا يكثر ضرره ثمّ يصبر بقوّة الخوف على الألم الّذي يناله في تركه فلا بدّ على كلّ حال من مرارة الصبر، فكذلك يعالج الشهوة في المعاصي كالشابّ مثلا إذا غلبته الشهوة فصار لا يقدر على حفظ عينه و لا حفظ قلبه أو حفظ جوارحه في السعي وراء شهوته فينبغي أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يستقري المخوفات الّتي جاءت فيه من كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإذا اشتدّ خوفه تباعد عن الأسباب المهيّجة لشهوته و مهيّج الشهوة من خارج هو حضور المشتهي و النظر إليه و علاجه
[١] المتصلف: من تكلف الصلف و هو التمدح بما ليس فيه و التملق.
المحجة