المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٦
هكذا كونا لا تأمنا مكري، و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه سأل جبرئيل «مالي لا أرى ميكائيل يضحك فقال جبرئيل عليه السّلام ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النّار» [١] و يقال: إنّ للَّه تعالى ملائكة لم يضحك أحد منهم منذ خلقت النّار مخافة أن يغضب اللّه عليهم فيعذّبهم و روي أنّ داود عليه السّلام كان يقول في مناجاته: إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، و إذا ذكرت رحمتك ارتدّت إليّ روحي، سبحانك إلهي أتيت أطبّاء عبادك ليداووا خطيئتي فكلّهم عليك يدلّني فبؤسا للقانطين من رحمتك.
و قال الفضيل: بلغني أنّ داود عليه السّلام ذكر ذنبه ذات يوم فوثب صارخا واضعا يده على رأسه حتّى لحق بالجبال فاجتمعت إليه السباع فقال: ارجعوا لا أريدكم إنّما أريد كلّ بكّاء على خطيئته فلا يستقبلني إلّا البكاء و من لم يكن ذا خطيئة فما يصنع بداود الخطّاء و كان يعاتب في كثرة البكاء فيقول: دعوني أبكي قبل خروج يوم البكاء قبل تخريق العظام و اشتعال الحشا، و قبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و قال عبد العزيز بن عمر: لمّا أصاب داود الخطيئة نقص صوته فقال: الهي بحّ.
صوتي في صفاء أصوات الصدّيقين. و روي أنّه عليه السّلام لمّا طال بكاؤه و لم ينفعه ذلك فضاق ذرعه و اشتدّ غمّه قال: يا ربّ أما ترحم بكائي؟ فأوحى اللّه تعالى إليه: يا داود نسيت ذنبك و ذكرت بكاءك، فقال: إلهي و سيّدي كيف أنسى ذنبي و كنت إذا تلوت الزّبور كفّ الماء الجاري عن جريه و سكن هبوب الرّيح و أظلّني الطير على رأسي و أنست الوحوش إلى محرابي، إلهي و سيّدي فما هذه الوحشة الّتي بيني و بينك؟، فأوحى اللّه تعالى إليه:
يا داود ذاك انس الطاعة و هذه وحشة المعصية، يا داود آدم خلق من خلقي خلقته بيدي و نفخت فيه من روحي و أسجدت له ملائكتي و ألبسته ثوب كرامتي و توّجته بتاج و قاري و شكالي الوحدة فزوّجته حوّاء أمتي و أسكنته جنّتي عصاني فطردته عن جواري عريان ذليلا، يا داود اسمع منّي- و الحقّ أقول- أطعتنا فأطعناك و سألتنا فأعطيناك و عصيتنا فأهملناك و إن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك.
[١] أخرجه أحمد في مسنده ج ٣ ص ٢٢٤ من حديث أنس.
المحجة