المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٧
مقبلة و شهوات الدّنيا بمخنقها آخذة و عن تمام الفكر صارفة فإذا فتح باب الكلام في اللّه و صفاته بالرّأي و المعقول مع تفاوت في قرائحهم و اختلافهم في طباعهم و حرص كلّ جاهل منهم على أن يدّعي الكمال و الإحاطة بكنه الحقّ انطلقت ألسنتهم بما يقع لكلّ واحد منهم و تعلّق ذلك بقلوب المصغين إليهم و تأكّد ذلك بطول الإلف فيهم و انسدّ بالكلّيّة طريق الخلاص عليهم فكانت سلامة الخلق في أن يشتغلوا بالأعمال الصالحة و لا يتعرّضوا لما هو خارج عن حدّ طاقتهم و لكن الآن قد استرخى العنان و فشا الهذيان و نزل كلّ جاهل على ما وافق طبعه بظنّ و حسبان و هو يعتقد أنّ ذلك علم و استيقان و أنّه صفو الإيمان و يظنّ أنّه ما قنع به[١]من حدس و تخمين علم اليقين و عين اليقين و سيعلمون نبأه بعد حين و ينبغي أن ينشد في هؤلاء عند كشف الغطاء:
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت
و لم تخف سوء ما يأتي به القدر
و سالمتك اللّيالي فاغتررت بها
و عند صفو اللّيالي يحدث الكدر
و اعلم يقينا أنّ كلّ من فارق الإيمان الساذج باللّه و رسله و كتبه و خاض في البحث فقد تعرّض لهذا الخطر و مثاله مثال من انكسرت سفينته و هو في ملتطم الأمواج يرميه موج إلى موج فربما يتّفق أن يلقيه إلى الساحل و ذلك بعيد و الهلاك أغلب عليه و كلّ نازل على عقيدة تلقّفها من الباحثين ببضاعة عقولهم إمّا مع الأدلّة الّتي حرّروها في تعصّباتهم أو دون الأدلّة فإن كان شاكّا فيه فهو فاسد الدّين و إن كان واثقا به فهو آمن من مكر اللّه مغترّ بعقله الناقص و كلّ خائض في البحث فلا ينفكّ عن هاتين الحالتين إلّا إذا جاوز حدّ العقل إلى نور المكاشفة الّذي يشرق في عالم الولاية و النبوّة و ذلك هو الكبريت الأحمر و أنّى يتيسّر و إنّما يسلم عن هذا الخطر البله من العوام و الّذين شغلهم خوف النار بطاعة اللّه فلم يخوضوا في هذا الفضول فهذا أحد الأسباب المخطرة في سوء الخاتمة.
و أمّا السبب الثاني فهو ضعف الإيمان
في الأصل ثمّ استيلاء حبّ الدّنيا على القلب، و مهما ضعف الإيمان ضعف حبّ اللّه تعالى و قوي حبّ الدّنيا فيصير
[١] في الاحياء «ما وقع به».
المحجة