المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٦
فعافية القلب أعلى من عافية البدن.
و قال مطرّف بن عبد اللّه: لأن اعافي فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلي فأصبر.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في دعائه: «و عافيتك أحبّ إليّ»[١]و هذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل و استشهاد و هذا لأنّ البلاء صار نعمة باعتبارين أحدهما بالإضافة إلى ما هو أكبر منه إمّا في الدّنيا أو في الدّين و الآخر بالإضافة إلى ما يرجى من الثواب فينبغي أن يسأل اللّه تمام النعمة في الدّنيا و دفع ما فوقه من البلاء و يسأله الثواب في الآخرة على الشكر على نعمته، فإنّه قادر على أن يعطي على الشكر ما [لا] يعطيه على الصبر، فإن قلت: فقد قال بعضهم: أودّ أن أكون جسرا على النار يعبر عليّ الخلق كلّهم فينجون و أكون أنا في النار. و قال سمنون:
و ليس لي في سواك حظّ
فكيف ما شئت فاختبرني
فهذا من هؤلاء سؤال للبلاء؟ فاعلم أنّه حكي أنّ سمنون ابتلي بعد هذا البيت بعلّة الحصر فكان بعد ذلك يدور على أبواب المكاتب و يقول للصبيان: ادعوا لعمّكم الكذّاب.
و أمّا محبّة الإنسان ليكون هو في النّار دون سائر الخلق فغير ممكن و لكن قد تغلب المحبّة على القلب حتّى يظنّ المحبّ بنفسه حبّا لمثل ذلك فمن شرب كأس المحبّة سكر و من سكر توسّع في الكلام و لو زايله سكره علم أنّ ما غلب عليه كانت حالة لا حقيقة لها فما تسمعه من هذا الفنّ فهو كلام العشّاق الّذين أفرط حبّهم و كلام العشّاق يستلذّ سماعه و لا يعوّل عليه كما روي أنّ فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه فقال: ما الّذي يمنعك عنّي و لو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك فسمعه سليمان فاستدعاه و عاتبه فقال: يا نبيّ اللّه كلام العشّاق لا يحكى و هو كما قال. و قول الشاعر:
أريد وصاله و يريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
[١] ذكره ابن هشام في السيرة في دعائه عليه السّلام حين خروجه صلى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الطائف.
المحجة