المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥١
مجامع المعاني الّتي شرحناها كانوا ينكرونها، بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا إلّا أن يفرض منازعة من حيث اللّفظ في أنّ اسم الشّكر في وضع اللّسان هل يشمل جميع المعاني أم يتناول بعضها مقصودا و بقيّة المعاني تكون من توابعه و لوازمه و لسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللّغات فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء
(بيان كشف الغطاء عن الشكر في حقّ اللّه سبحانه)
لعلّه يخطر ببالك أنّ الشكر إنّما يعقل في حقّ منعم هو صاحب حظّ في الشكر فإنّا نشكر الملوك إمّا بالثناء ليزيد محلّهم في القلوب و يظهر كرمهم عند الناس فيزيد به صيتهم و جاههم، أو بالخدمة الّتي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم أو بالمثول بين أيديهم في صورة الخدم و ذلك تكثير لسوادهم و سبب لزيادة جاههم فلا يكونون شاكرين لهم إلّا بشيء من ذلك و هذا محال في حقّ اللّه تعالى من وجهين:
أحدهما أنّ اللّه منزّه عن الحظوظ و الأغراض، مقدّس عن الحاجة إلى الخدمة و الإعانة و عن نشر الجاه و الحشمة بالثّناء و الإطراء، و عن تكثير سواد الخدم بالمثول بين يديه ركّعا سجّدا فشكرنا إيّاه بما لا حظّ له فيه يضاهي شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا أو نسجد أو نركع إذ لا حظّ للملك فيه و هو غائب لا علم له. و لا حظّ للَّه تعالى في أفعالنا كلّها. الوجه الثاني أنّ جميع ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى علينا من نعم اللّه إذ جوارحنا و قدرتنا و إرادتنا و داعيتنا و سائر الأمور الّتي هي أسباب حركتنا و نفس حركتنا من خلق اللّه تعالى و نعمته فكيف نشكر نعمته بنعمته، و لو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا مركوبا آخر له و ركبناه أو أعطانا مركوبا آخر لم يكن الثاني شكرا للأوّل منّا، بل كان الثّاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأوّل، ثمّ لا يمكن شكر الشّكر إلّا بنعمة أخرى فيؤدّي إلى أن يكون الشكر محالا في حقّ اللّه تعالى من هذين الوجهين و لسنا نشكّ في الأمرين جميعا و الشرع قد ورد به فكيف السبيل إلى الجمع، فاعلم أنّ هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السّلام و كذلك لموسى عليه السّلام فقال: يا ربّ كيف أشكرك و أنا لا أستطيع أن أشكرك إلّا بنعمة ثانية من نعمك؟ و في لفظ آخر: و شكري لك نعمة أخرى منك توجب عليّ
المحجة