المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦١
واحدة سبعة منها فقال: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا» [١] ثمّ ردّه في آية أخرى إلى خمسة فقال: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ» [٢] ثمّ ردّه في موضع آخر [إلى اثنين فقال تعالى: «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ» [٣] ثمّ ردّ الكلّ] إلى واحد في موضع آخر فقال: «وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» [٤] فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدّنيا فينبغي أن يكون الزّهد فيه، و إذا عرفت طريق الإجمال و التفصيل عرفت أنّ البعض من هذه لا يخالف البعض و إنّما يفارقه في الشرح مرّة و الإجمال أخرى و الحاصل أنّ الزّهد عبارة عن الرّغبة عن حظوظ النفس كلّها و مهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدّنيا فقصر أمله لا محالة لأنّه يريد البقاء ليتمتّع و يريد التمتّع الدّائم بإرادة البقاء، فإنّ من أراد شيئا أراد دوامه، و لا معنى لحبّ الحياة الدّنيا إلّا حبّ دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة، فإذا رغب عنها لم يردها و لذلك «لمّا كتب عليهم القتال قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» فقال تعالى: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ» [٥] أي لستم تريدون البقاء إلّا لمتاع الدّنيا فظهر عند ذلك الزّاهدون و انكشف حال المنافقين أمّا الزّاهدون المحبّون للَّه فقاتلوا في سبيل اللّه كأنّهم بنيان مرصوص و انتظروا إحدى الحسنيين و كانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنّة و يبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد حرصا على نصرة دين اللّه أو نيل رتبة الشهادة و كلّ من مات منهم على فراشه يتحسّر على فوت الشهادة، و أمّا المنافقون ففرّوا من الزّحف خوفا من الموت فقيل لهم: «إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ» فإيثاركم البقاء على الشهادة استبدال الّذي هو أدنى بالّذي هو خير
[١] آل عمران: ١٣.
[٢] الحديد: ٢٠.
[٣] محمد: ٣٦.
[٤] النازعات: ٤٠.
[٥] النساء: ٧٧.
المحجة