المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٤
سريعة الدّثور و هي مشوبة بالمكدّرات فما فيها لذّة صافية عن كدر و كيف و في التوبة عن المعاصي و الإقبال على الطاعة تلذّذ بمناجاة اللّه تعالى و استراحة بمعرفته و طاعته و طول الانس به، و لو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلّا ما يجده من حلاوة الطاعة و روح الانس بمناجاة اللّه لكان ذلك كافيا، فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة، نعم هذه اللّذّة لا تكون في ابتداء التوبة و لكنّها تصبر عليها مدّة مديدة و قد صار الخير ديدنا كما كان الشرّ ديدنا، فالنفس قابلة ما عوّدتها تتعوّد، و الخير عادة و الشرّ لجاجة، فإذن هذه الأفكار المهيّجة للخوف المهيّج لقوّة الصبر عن اللّذات و مهيّج هذه الأفكار وعظ الوعّاظ و منبّهات تقع للقلب بأسباب تتّفق لا تدخل تحت الحصر فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه و يعبّر عن السبب الّذي أوقع الموافقة بين الطبع و بين الفكر- الّذي هو سبب الخير- بالتوفيق إذ التوفيق هو التّأليف بين الإرادة و بين المعنى الّذي هو طاعة نافعة في الآخرة. و قد روي في حديث طويل أنّه قام عمّار بن ياسر فقال لعليّ عليه السّلام: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما ذا بني؟ فقال: على أربع دعائم على الجفاء و العمى و الغفلة و الشكّ فمن جفا احتقر الحقّ و جهر بالباطل و مقت العلماء، و من عمى نسي الذّكر، و من غفل حاد عن الرّشد و من شكّ غرّته الأمانيّ فأخذته الحسرة و الندامة، و بدا له من اللّه ما لم يكن يحتسب» [١].
فما ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكّر، و هذا القدر في التوبة كاف.
و إذا كان الصبر ركنا من أركان دوام التوبة فلا بدّ من بيان الصبر فنذكره في كتاب مفرد إن شاء اللّه تعالى (١) و الحمد للَّه ربّ العالمين و صلاته و سلامه على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطيّبين الطاهرين و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
تمّ كتاب التوبة من ربع المنجيات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء و يتلوه كتاب الصبر و الشكر و الحمد للَّه.
[١] أصل هذا الخبر مروى في الكافي باختلاف كما يأتي عن قريب.
المحجة