المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٨
الإنجيل و الزّبور و الفرقان و صحف موسى و كلّ كتاب منزل ما انزل إلّا لدعوة الخلق إلى الملك الدّائم المخلّد، و المراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدّنيا ملوكا في الآخرة، أمّا ملك الدّنيا فبالزّهد فيها و القناعة باليسير منها، و أمّا ملك الآخرة فبالقرب من اللّه تعالى بدرك بقاء لا فناء فيه و عزّ لا ذل فيه، و قرّة عين اخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس، و الشيطان يدعوهم إلى ملك الدّنيا لعلمه بأنّ ملك الآخرة يفوت به إذ الدّنيا و الآخرة ضرّتان، و لعلمه بأنّ الدّنيا لا تسلم له أيضا و لو كانت تسلم لكان يحسده أيضا، و لكن ملك الدّنيا لا يخلو عن المنازعات و المكدّرات و طول الهموم في التدبيرات و كذلك سائر أسباب الحياة، ثمّ كما يسلم و يتمّ الأسباب ينقضي العمر «حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ» فضرب اللّه تعالى لها مثلا و قال: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ» [١] و الزّهد في الدّنيا لمّا كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصدّه عنه، و معنى الزّهد أن يملك العبد شهوته و غضبه فينقادان لباعث الدّين و إشارة الإيمان، و هذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرّا و باستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لبطنه و فرجه و سائر أعضائه فيكون مسخّرا مثل البهيمة مملوكا يستجرّه زمام الشهوة آخذا بمختنقه[١]إلى حيث يريد و يهوى فما أعظم اغترام الإنسان إذ ظنّ أنّه ينال الملك بأن يصير مملوكا و ينال الرّبوبيّة بأن يصير عبدا، و مثل هذا هل يكون إلّا معكوسا في الدّنيا منكوسا في الآخرة و لهذا قال بعض الملوك لبعض الزّهّاد:
سل منّي حاجة، قال: كيف أطلب منك حاجة و ملكي أعظم من ملكك، فقال: كيف؟
قال: من أنت عبده فهو عبد لي، فقال: كيف ذلك؟ قال: أنت عبد شهوتك و غضبك و فرجك و بطنك و قد ملكت أنا هؤلاء كلّهم فهم عبيد لي، فهذا إذن هو الملك في الدّنيا و هو الّذي يسوق إلى الملك في الآخرة فالمنخدعون بغرور الشيطان خسروا
[١] اى مضيقه.
[١] الكهف: ٤٥.
المحجة