المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٥
القسم الثاني ما لا يرتبط هجومه باختياره و له اختيار في دفعه
كما لو أوذي بفعل أو قول و جني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة يكون واجبا و تارة يكون فضيلة، قال بعض الصحابة: ما كنّا نعدّ إيمان الرّجل إيمانا إذا لم يصبر على الأذى و قال تعالى: «وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» [١] و قسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرّة مالا فقال بعض الأعراب من المسلمين هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه فأخبر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاحمرّت وجنتاه ثمّ قال:
رحم اللّه أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» [٢] و قال تعالى: «وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» [٣] و قال: «وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا» [٤] و قال: «وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» [٥] و قال:
«وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» [٦] أي تصبروا عن المكافأة و لذلك مدح اللّه تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص و غيره فقال: «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» [٧].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «صل من قطعك و أعط من حرمك و اعف عمّن ظلمك» [٨] و رأيت في الإنجيل قال عيسى عليه السّلام: «لقد قيل لكم من قبل: إنّ السنّ بالسنّ و الأنف بالأنف، و أنا أقول لكم: لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك اليمنى فحوّل إليه الخدّ اليسرى، و من أخذ رداءك فأعطه إزارك، و من سخّرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين». و كلّ ذلك أمر بالصبر على الأذى فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر لأنّه يتعاون فيه باعث الدّين و باعث الشهوة و الغضب جميعا.
القسم الثالث ما لا يدخل تحت الاختيار أوّله و آخره
كالمصائب مثل موت
[١] إبراهيم: ١٠٢.
[٢] تقدم غير مرة عن البخاري و مسلم.
[٣] الأحزاب: ٤٨.
[٤] المزمل: ١٠.
[٥] الحجر: ٩٧.
[٦] آل عمران: ١٨٦.
[٧] النحل: ١٢٦.
[٨] تقدم غير مرة.
المحجة