المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٣
بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني و بينك في الطلب لاتّباع أمري و لكيلا تكون كلاّ على أهلك، فإن شئت رزقتك و إن شئت قتّرت عليك و أنت غير معذور عندي، و رجل رزقه اللّه مالا كثيرا فأنفقه ثمّ أقبل يدعو يا ربّ ارزقني فيقول اللّه عزّ و جلّ ألم أرزقك رزقا واسعا فهلّا اقتصدت فيه كما أمرتك و لم تسرف و قد نهيتك عن الإسراف، و رجل يدعو في قطيعة رحم» ثمّ علّم اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كيف ينفق و ذلك أنّه كانت عنده أوقيّة[١]من الذّهب فكره أن تبيت عنده فتصدّق بها فأصبح و ليس عنده شيء و جاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل و اغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه و كان رحيما رقيقا فأدّب اللّه عزّ و جلّ نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأمره فقال: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»[٢]يقول: إنّ الناس قد يسألونك و لا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال فهذه أحاديث رسول اللّه يصدّقها الكتاب و الكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين و قال:
أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص فقال: اوصي بالخمس و الخمس كثير فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس و قد جعل اللّه له الثلث عند موته، و لو علم أنّ الثلث خير له أوصى به، ثمّ من قد علمتم بعده في فضله و زهده سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه- و أبو ذر- رحمه اللّه- فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له: يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا؟ فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها[٣]
[١] الاوقية بالضم و السكون و كسر القاف و فتح الياء المشددة سبعة مثاقيل.
[٢] الاسراء: ٣١. و هي تمثيل لمنع الشحيح و إعطاء المسرف و امر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف و التقتير: «فَتَقْعُدَ»* اى فتصير ملوما غير مرضى عند اللّه إذا خرجت عن القوام و عند الناس، إذ يقول المحتاج: أعطى فلانا و حرمني، و يقول المستغنى: ما يحسن تدبير امر المعيشة، و عند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت محسورا نادما او منقطعا بك لا شيء عندك.
[٣] قوله «قد تلتاث» اى تبطئ و تحتبس عن الطاعات و تسترخي و تستضعف قال الفيروزآبادي: اللوث: القوة و الستر و البطء في الامر.
المحجة