المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٨
و الآن قد ظهر عليه السواد فلم سوّدت وجهك و ما السبب فيه فقال الكاغذ: ما أنصفتني في هذه المقالة فإنّي ما سوّدت وجهي بنفسي لكن سل الحبر فإنّه كان مجموعا في المحبرة الّتي هي مستقرّه و وطنه فسافر عن الوطن و نزل بساحتي و سوّد وجهي ظلما و عدوانا، فقال: صدقت فسأل الحبر عن ذلك، فقال: ما أنصفتني فإنّي كنت في المحبرة و ادعا ساكنا عازما على أن لا أبرح منها فاعتدى عليّ القلم بطبعه الفاسد و اختطفني من وطني و أجلاني عن بلدي و فرّق جمعي و بدّدني كما تراه على ساحة بيضاء فالسؤال عليه لا عليّ، فقال: صدقت ثمّ سأل القلم عن السبب في ظلمه و عدوانه و إخراج الحبر من أوطانه، فقال: سل اليد و الأصابع فإنّي كنت قصبا نابتا على شطّ الأنهار متنزّها بين خضرة الأشجار فجاءتني اليد بسكّين فنحت عنّي قشري و مزّقت عنّي ثيابي و اقتلعتني من أصلي و فصّلت بين أنابيبي ثمّ برتني و شقّت رأسي ثمّ غمستني في سواد الحبر و مرارته و هو ذا تستخدمني و تمشيني على قمّة رأسي، فلقد نثرت الملح على جرحي بسؤالك و عتابك فتنحّ عنّي و سل من قهرني فقال: صدقت ثمّ سأل اليد عن ظلمها على القلم و استخدامها له و تعدّيها عليه فقال اليد: ما أنا إلّا لحم و عظم و دم و هل رأيت لحما أو جسما يتحرّك بنفسه إنّما أنا مركب مسخّر ركبني فارس يقال له القدرة و القوّة، و هي الّتي تردّدني و تجول بي في نواحي الأرض، أمّا ترى المدر و الحجر و الشجر لا يتعدّى شيء منها مكانه و لا يتحرّك بنفسه إذ لم يركبها مثل هذا الفارس القويّ القاهر، أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللّحم و العظم و الدّم، ثمّ لا معاملة بينها و بين القلم فأنا أيضا من حيث أنا لا معاملة بيني و بين القلم، فسل القدرة عن شأني فإنّي مركب أزعجني من ركبني، فقال:
صدقت ثمّ سأل القدرة عن شأنها في استعمالها اليد و استخدامها و كثرة ترديدها لها، فقالت: دع عنك لومي و معاتبتي فكم من لائم ملوم و كم من ملوم لا ذنب له، و كيف خفي عليك أمري أو كيف ظننت أنّي ظلمت اليد لما ركبتها و لقد كنت راكبا إيّاها قبل التحريك و ما كنت احرّكها و لا أستسخرها بل كنت نائما ساكنا نوما حتّى ظنّ ظانّون بي أنّي ميتة أو معدومة لأنّي ما كنت أتحرّك و لا احرّك حتّى جاءني موكّل
المحجة