المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٤
هذا فهم أن غلبة الخوف للشهوة في بعض الذّنوب ممكن وجودها و الخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم و الندم يورث العزم، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الندم توبة» [١] و لم يشترط الندم على كلّ ذنب. و قال عليه السّلام: «التائب من الذّنب كمن لا ذنب له» [١]و لم يقل التائب من الذّنوب كلّها، و بهذه المعاني تبيّن[٢]أنّ التوبة عن بعض الذّنوب غير ممكنة لأنّها متماثلة في حقّ الشهوة و في حقّ التعرّض لسخط اللّه نعم يجوز أن يتوب عن الخمر دون النبيذ لتفاوتهما في اقتضاء السخط و يتوب عن الكثير دون القليل لأنّ لكثرة المعصية تأثيرا في كثرة العقوبة، فيساعد الشهوة بالقدر الّذي يعجز عنه و يترك بعض شهوته للَّه كالمريض الّذي حذّره الطبيب الفاكهة فإنّه قد يتناول قليلها و لكن لا يستكثر منها فقد حصل من هذا أنّه لا يمكن أن يتوب عن شيء و لا يتوب عن مثله بل لا بدّ أن يكون ما تاب عنه مخالفا لما بقي عليه، إمّا في شدّة المعصية و إمّا في غلبة الشهوة، و إذا حصل هذا التفاوت في اعتقاد التائب تصوّر اختلاف حاله في الخوف و الندم فيتصوّر اختلاف حاله في الترك فندمه على ذلك الذّنب و وفاؤه بعزمه على الترك يلحقه بمن لم يذنب و إن لم يكن قد أطاع اللّه في جميع الأوامر و النواهي.
فإن قلت: فهل تصحّ توبة العنّين من الزّنى الّذي قارفه قبل طريان العنّة؟
فأقول: لا، لأنّ التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله و ما لا يقدر على فعله فقد انعدم بنفسه لا بتركه إيّاه، و لكنّي أقول: لو طرأ عليه بعد العنّة كشف و معرفة تحقّق به ضرر الزّنى الّذي قارفه و ثار منه احتراق و تحسّر و تندّم بحيث لو كانت شهوة الوقاع به باقية لكان حرقة الندم تقمع تلك الشهوة و تغلبها فإنّي أرجو أن يكون ذلك مكفّرا لذنبه و ماحيا عنه سيّئته إذ لا خلاف في أنّه لو تاب قبل طريان العنّة و مات عقيبها كان من التائبين و إن لم يطرأ عليه حالة تهيج فيها الشهوة و تتيسّر أسباب قضاء الشهوة و لكنّه تائب باعتبار
[١] تقدم غير مرة في الباب. و في استدلاله بالخبر تأمل لأن المراد الجنس لا النوع.
[٢] كذا و في الاحياء زاد هنا «سقوط قول القائل:».
[١] تقدم أول الباب.
المحجة