المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٧
فأقول لو انكشف لك الغطاء لعرفت أنّه في عين الاختيار مجبور فهو إذن مجبور على الاختيار و كيف يفهم هذا من لم يفهم الاختيار فلنشرح الاختيار بلسان المتكلّمين شرحا وجيزا يليق بما نذكر متطفّلا و تابعا فإن هذا الكتاب لم يقصد به إلّا علم المعاملة و لكنّي أقول: لفظ الفعل في الإنسان يطلق على ثلاثة أوجه إذ يقال الإنسان يكتب بالأصبع و يتنفّس بالرّية و الحنجرة و يخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء و التنفّس و الكتابة و هذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار و الجبر واحد و لكنّها تختلف وراء ذلك في أمور فأعرب لك عنها بثلاث عبارات فنسمّي خرقه للماء عند وقوعه على وجهه فعلا طبيعيّا، و نسمّي تنفسه فعلا إراديّا، و نسمّي كتابته فعلا اختيارا و الجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنّه مهما وقف على وجه الماء أو تخطّى من السطح في الهواء انخرق لا محالة فيكون الخرق بعد التخطّي ضروريّا و التنفّس في معناه فإنّ نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفّس كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده و ليس الثقل إليه فكذلك مهما وجدت إرادة التنفّس وجدت بعدها حركة الحنجرة بالضرورة فكذلك الإرادة ليست إليه و لذلك لو قصد عين إنسان بإبرة طبّق الأجفان اضطرارا و لو أراد أن يتركها مفتوحة لا يقدر مع أنّ تغميض الأجفان اضطرارا فعل إراديّ و لكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالادراك حدثت الإرادة بالتغميض ضرورة و حدثت الحركة بها و لو أراد أن يترك التغميض لم يقدر عليه مع أنّه فعل بالقدرة و الإرادة فقد التحق بالفعل الطبيعي في كونه ضروريّا، و أمّا الثالث و هو الاختياريّ فهو مظنّة الالتباس كالكتابة و النطق و هو الّذي يقال فيه: إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل و تارة يشاء و تارة لا يشاء فيظنّ من هذا أنّ الأمر إليه و هو الجهل بمعنى الاختيار فلنكشف عنه، و بيانه أنّ الإرادة تبع للعلم الّذي يحكم بأنّ الشيء موافق لك و الأشياء تنقسم إلى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تحيّر و تردّد و إلى ما قد يتردّد العقل فيه، فالّذي تقطع به من غير تردّد أن تقصد عينك مثلا بإبرة أو بدنك بسيف فلا يكون في علمك تردّد في أن دفع ذلك خير لك و موافق فلا جرم تنبعث
المحجة