المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٥
في جميع أوقاته عن حوادث تتجدّد، فتشغله عن الفكر و الذّكر من مرض و خوف و إيذاء من إنسان و طغيان من مخالط إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة فهذا أحد الأنواع الشاغلة، و أمّا النوع الثاني فهو ضروري أشدّ ضرورة من الأوّل و هو اشتغاله بالمطعم و الملبس و أسباب المعاش فإنّ تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولّاه بنفسه، و إن تولّاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب ممّن يتولاّه، و لكن بعد قطع العلائق كلّها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمّة أو واقعة و في تلك الأوقات يصفو القلب و يتيسّر الفكر و ينكشف فيه من أسرار اللّه في ملكوت السماوات و الأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق، و الانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات الّتي يمكن أن تنال بالاكتساب و الجهد، فأمّا مقادير ما ينكشف و مبالغ ما يرد من لطف اللّه في الأحوال و الأعمال فذلك يجري مجرى الصيد و هو بحسب الرّزق فقد يقلّ الجهد و يجلّ الصيد و قد يطول الجهد و يقلّ الحظّ، و المعوّل وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرّحمن فإنّها توازي أعمال الثقلين و ليس ذلك باختيار العبد نعم اختيار العبد في أن يتعرّض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدّنيا فإنّ المجذوب إلى أسفل السافلين لا يجذب إلى أعلى علّيّين و كلّ منهوم بالدّنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله عليه السّلام: «إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها» [١] و ذلك لأنّ تلك النفحات و الجذبات لها أسباب السماويّة إذ قال تعالى: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» [٢] و هذا أعلى أنواع الرّزق، و الأمور السماويّة غائبة عنّا فلا ندري متى ييسّر اللّه تعالى أسباب الرزق فما علينا إلّا تفريغ المحلّ و الانتظار لنزول الرّحمة و بلوغ الكتاب أجله كالّذي يصلح الأرض و ينقّيها من الحشيش و يبثّ البذر فيها، و كلّ ذلك لا ينفعه إلّا بمطر، و لا
[١] أخرجه الطبراني في الأوسط و الكبير من حديث محمد بن مسلمة و أنس كما في مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٢٣١. و قد تقدم.
[٢] الذاريات: ٢٢.
المحجة