المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٣
كان أشدّ كان تكفير الذّنوب به أرجى، فعلامة صحّة الندم رقّة القلب و غزارة الدّمع، و في الخبر «جالس التوّابين فإنّهم أرقّ افئدة»[١]و من علامته أن تتمكّن مرارة تلك الذّنوب في قلبه بدلا عن حلاوتها فيستبدل بالميل كراهية و بالرّغبة نفرة، و في الإسرائيليات: أنّ اللّه سبحانه قال لبعض أنبيائه و قد سأله النبيّ قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في العبادة و لم ير أثر قبول توبته فقال: و عزّتي و جلالي لو شفع فيه أهل السماوات و الأرض ما قبلت توبته و حلاوة ذلك الذّنب الّذي تاب منه في قلبه.
(١) أقول: و من طريق الخاصّة ما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال لقائل بحضرته: «أستغفر اللّه»: «ثكلتك أمّك أ تدري ما الاستغفار، إنّ الاستغفار درجة العلّيّين و هو اسم واقع على ستّة معان أوّلها الندم على ما مضى، و الثاني العزم على ترك العود عليه أبدا، و الثالث أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة، و الرّابع أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها تؤدّي حقّها، و الخامس أن تعمد إلى اللّحم الّذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد. و السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر اللّه» [١].
قال أبو حامد: فإن قلت: الذّنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها؟ فأقول: من تناول عسلا كان فيه سمّ و لم يدركه بالذّوق و استلذّه، ثمّ مرض و طال مرضه و ألمه و تناثر شعره و فلجت أعضاؤه فإذا قدّم إليه عسل فيه مثل ذلك السمّ و هو في غاية الجوع و الشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا فإن قلت: لا، فهو جحد للمشاهدة، بل ربّما تنفر عن العسل الّذي ليس فيه سمّ أيضا
[١] قال العراقي: لم أجده مرفوعا و هو قول عون بن عبد اللّه رواه ابن أبي الدنيا في التوبة قال: «جالسوا التوابين فان رحمة اللّه إلى النادم أقرب». و قال أيضا «فالموعظة الى قلوبهم أسرع و هم إلى الرقة أقرب» و فيه أيضا «التائب أسرع دمعة و ارق قلبا».
[١] أورده الشريف الرضي في النهج باب المختار من الحكم تحت رقم ٤١٧.
المحجة