المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٣
العوام و قد يخصّ المتكلّم باسم الموحّد من حيث إنّه يحمي بكلامه مفهوم لفظ التوحيد على قلوب العوام حتّى لا تنحل عقدته، و الثالث موحّد بمعنى أنّه لم يشاهد إلّا فاعلا واحدا إذا انكشف له الحقّ كما هو عليه لا أنّه كلّف قلبه أن يعقد على مفهوم اللّفظ فإنّ تلك رتبة العوام و المتكلّمين، إذ لم يفارق المتكلّم العاميّ في الاعتقاد بل في صنعة تلفيق الكلام الّذي به يدفع حيل المبتدع في تحليل هذه العقدة، و الرّابع موحّد بمعنى أنّه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكلّ من حيث إنّه كثير بل من حيث إنّه واحد، و هذه هي الغاية القصوى في التوحيد، فالأوّل كالقشرة العليا من الجوز، و الثاني كالقشرة السفلى، و الثالث كاللّبّ، و الرّابع كالدّهن المستخرج من اللّبّ، و كما أنّ القشرة العليا لا خير فيها بل إن اكلت فهي مرّ المذاق و إن نظر إلى باطنها فهو كريه المنظر و إن اتّخذت حطبا أطفأت النار و أكثر الدّخان و إن تركت في البيت ضيّقت المكان فلا تصلح إلّا أن تترك مدّة على الجوز للصون، ثمّ ترمى فكذلك التوحيد بمجرّد اللّسان عديم الجدوى كثير الضرر، مذموم الظاهر و الباطن، لكنّه ينفع مدّة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت، و القشرة السفلى هي القلب و البدن، و توحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة فإنّهم لم يأمروا بشقّ القلوب و السيف إنّما يصيب جسم البدن و هو القشر و إنّما يتجرّد عنه بالموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده و كما أنّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنّها تصون اللّبّ و تحرسه عن الفساد عند الادّخار و إذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنّه نازلة القدر بالإضافة إلى اللّبّ فكذلك مجرّد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرّد نطق اللّسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف و المشاهدة الّتي تحصل بانشراح الصدر و انفساحه بإشراق نور الحقّ فيه إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» [١] و بقوله تعالى: «أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» [٢] و كما أنّ اللّبّ نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر و كلّه المقصود و لكنّه لا يخلو
[١] الانعام: ١٢٥.
[٢] الزمر: ٢٢.
المحجة