المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٩
و هو يابس فلا تقدر على الابتلاع إلّا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة، فانظر كيف خلق اللّه تعالى تحت اللّسان عينا يفيض اللّعاب منها و ينصبّ بقدر الحاجة حتّى ينعجن به الطعام، و انظر كيف سخّرها لهذا الأمر فإنّك ترى الطعام من بعيد فيثور الحنكان للخدمة و ينصبّ اللّعاب حتّى تتحلّب أشداقك و الطعام بعد بعيد عنك ثمّ يحتاج هذا الطعام المطحون المنعجن إلى من يوصله إلى المعدة و هو في الفم و لا تقدر على أن تدفعه باليد و لا في المعدة يد حتّى تمتدّ فتجذب الطعام، فانظر كيف هيّا اللّه تعالى المريء و الحنجرة و جعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام، ثمّ تنطبق و تنضغط حتّى يتقلّب الطعام بضغطة فيهوى إلى المعدة في دهليز المريء، فإذا ورد الطعام على المعدة فهو خبز و فاكهة مقطعة فلا يصلح لأن يصير عظما و لحما و دما على هذه الهيئة بل لا بدّ أن يطبخ طبخا تامّا يتشابه أجزاؤه، فخلق اللّه تعالى المعدة على هيئة قدر فيقع فيها الطعام فتحتوي عليه و تغلق عليه الأبواب فلا يزال لابثا فيها حتّى يتمّ الهضم و النضج بالحرارة الّتي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة إذ من جانبها الأيمن الكبد و من الأيسر الطحال و من قدّام الثرب[١].
و من خلف لحم الصلب فتتعدّى الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب حتّى ينطبخ الطعام و يصير مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق، و عند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه و رقّته و هو بعد لا يصلح للتغذية، فخلق اللّه تعالى بينها و بين الكبد مجاري من العروق و جعل لها فوهات كثيرة[٢]حتّى ينصبّ الطعام فيها فينتهي إلى الكبد و الكبد معجون من طينة الدّم حتّى كأنّه دم و فيه عروق كثيرة شعريّة منتشرة في أجزاء الكبد فينصبّ الطعام الرقيق النافذ فيها و ينتشر في أجزائها حتّى تستولي عليه قوّة الكبد فتصبغه بلون الدّم فيستقرّ فيها ريثما يحصل له نضج آخر[٣]و يحصل له هيئة الدّم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء إلّا أنّ حرارة
[١] الثرب- بالثاء المثلثة-: الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش و الامعاء. و في بعض نسخ الاحياء مكان الثرب [الترائب].
[٢] الفوهة من الوادي و الطريق و جبل النار: فمها، جمعها فوهات.
[٣] الريث- بالفتح الراء-: المهلة من الزمان و ريثما يحصل أي مقدار ما يحصل.
المحجة