المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٣
يفسدوا، و ليتهم سكتوا فما نطقوا، فإنّهم إذا تكلّموا لم يهمّهم في مواعظهم إلّا ما يرغّب العوام و يستميل قلوبهم و لا يتوصّلون إلى ذلك إلّا بالإرجاء و تغليب أسباب الرّجاء، و ذكر دلائل الرّحمة لأنّ ذلك ألذّ في الأسماع و أخفّ على الطّباع فينصرف الخلق عن مجالس الوعظ و قد استفادوا مزيد جرأة على المعاصي و مزيد ثقة بفضل اللّه، و مهما كان الطبيب جاهلا أو خائنا أهلك بالدّواء حيث يضعه في غير موضعه فالرّجاء و الخوف دوا آن و لكن لشخصين متضادّي العلّة، أمّا الّذي غلب عليه الخوف حتّى هجر الدّنيا بالكلّيّة و كلّف نفسه ما لا يطيق و ضيّق العيش على نفسه بالكلّيّة فتكسر سورة إسرافه في الخوف بذكر أسباب الرّجاء ليعود إلى الاعتدال، و كذا المصرّ على الذّنوب المشتهي للتّوبة الممتنع عنها بحكم القنوط و اليأس استعظاما لذنوبه الّتي سبقت يعالج أيضا بأسباب الرّجاء حتّى يطمع في قبول التّوبة فيتوب. فأمّا معالجة المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرّجاء فيضاهي معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء، و ذلك من دأب الجهّال و الأغبياء فإذن فساد الأطبّاء هو الدّاء المعضل الّذي لا يقبل الدّواء أصلا.
فإن قلت: فاذكر الطّريق الّذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في وعظه مع الخلق؟
فاعلم أنّ ذلك يطول و لا يمكن استقصاؤه نعم نشير إلى
الأنواع النافعة في حلّ عقدة الإصرار، و حمل الناس على ترك الذّنوب
و هي أربعة أنواع:
النوع الأوّل- أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوّفة
للمذنبين و العاصين، و كذلك ما ورد من الأخبار و الآثار مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[١]: «ما من يوم طلع فجره و لا ليلة غاب شفقها إلّا و ملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، و يقول الآخر: يا ليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا، فيقول الآخر:
و يا ليتهم إذ لم يعلموا لما ذا خلقوا عملوا بما علموا». و في بعض الرّوايات
[١] قال العراقي: لم أجده هكذا، و روى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف «ان للَّه ملكا ينادى في كل ليلة أبناء الأربعين زرع قد دنى حصاده»- و فيه- «ليت الخلائق لم يخلقوا و ليتهم إذا خلقوا علموا لما ذا خلقوا فتجالسوا بينهم فتذكروا- الحديث-».
المحجة