المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٦
يمهّد له من المحلّ في القلوب ما يدفع به عنه الأذى و لو كان بين الكفّار فكيف بين المسلمين، و أمّا التوهّمات و التقديرات الّتي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة، إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال فعلاج ذلك بالاحتمال و الصبر أولى من علاجه بطلب الجاه، فإذن طلب المحلّ في القلوب لا رخصة فيه أصلا و اليسير منه داع إلى الكثير و ضراوته أشدّ من ضراوة الخمر فليحترز من قليله و كثيره. و أمّا المال و هو ضروري في المعيشة أعني القليل منه فإن كان كسوبا فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب، كان بعضهم إذا اكتسب قدر حاجته رفع سفطه و قام، هذا شرط الزّهد فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حدّ ضعفاء الزّهاد و أقويائهم جميعا و إن كانت له ضيعة و لم يكن له قوّة يقين في التوكّل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزّهد بشرط أن يتصدّق بكلّ ما يفضل من كفاية سنته و لكن يكون من ضعفاء الزّهاد فإن شرط التوكّل في الزّهد كما شرطه أويس القرني فلا يكون هذا من الزّهّاد و قولنا إنّه خرج من حدّ الزّهّاد نعني به أنّ ما وعد للزّاهدين في الدّار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله و إلّا فاسم الزّهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول و الكثرة.
(١) أقول: بل الّذي أمسك من أكثر قوت السنة أيضا بنيّة أنّه إن احتاج إلى إنفاق أو بذل لا يحوجه ذلك إلى الطلب لا يخرج عن الزّهد و لا التوكّل بشرط أن يكون وثوقه باللّه سبحانه لا بذلك المال، و بشرط أن لا يشتغل قلبه به كما يتبيّن ممّا يأتي.
قال: و أمر المنفرد في جميع ذلك أخفّ من أمر المعيل و قد قال أبو سليمان لا ينبغي أن يرهق الرّجل أهله إلى الزّهد بل يدعوهم إليه فإن أجابوا و إلّا تركهم و فعل بنفسه ما شاء. معناه أنّ التضييق المشروط على الزّاهد يخصّه و لا يلزمه كلّ ذلك في عياله، نعم لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حدّ الاعتدال، فإذا ما يضطرّ الإنسان إليه من جاه و مال ليس بمحذور بل الزّائد على الحاجة سمّ قاتل و المقتصر على الضرورة دواء نافع و ما بينهما درجات متشابهة، فما يقرب من الزّيادة و إن لم يكن سمّا قاتلا فهو مضرّ و ما يقرب من الضرورة فهو دواء
المحجة