المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢٥
ثمّ أخبر «انّ اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه» [١] تطييبا لقلوب الضعفاء حتّى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس و القنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدّرجات فما أرسل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا رحمة للعالمين كلّهم على اختلاف أصنافهم و درجاتهم فإذا فهمت هذا علمت أنّ الادّخار قد يضرّ بعض الناس و قد لا يضرّ.
(الفنّ الثالث في مباشرة الأسباب الدّافعة للضّرر المتعرّض للخوف)
اعلم أنّ الضرر قد يتعرّض للخوف في نفس أو مال و ليس من شروط التوكّل ترك الأسباب الدّافعة رأسا أمّا في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجرى السيل من الوادي أو تحت الجدار المائل أو السقف المنكسر فكلّ ذلك منهيّ عنه و صاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة، نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها و إلى مظنون و إلى موهوم فترك الموهوم منها من شرط التوكّل و هي الّتي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكيّ و الرّقية فانّ الكيّ و الرّقية قد يقدّم على المحذور دفعا لما يتوقّع، فقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يصف المتوكّلين إلّا بترك الكيّ و الرّقية و الطيرة و لم يصفهم بأنّهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبّة و الجبّة تلبس دفعا للبرد المتوقّع و كذلك كلّ ما في معناها من الأسباب، نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج للسفر في الشتاء تهييجا لقوّة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمّق في الأسباب و التعويل عليها فيكاد يقرب من الكيّ بخلاف الجبّة و لترك الأسباب الدّافعة و إن كانت مقطوعة بها وجه إذا نال الضرر من إنسان فإنّه إذا أمكنه الصبر و أمكنه الدّفع و التشفّي فشرط التوكّل الاحتمال و الصبر قال تعالى: «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» [٢] و قال:
«وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» [٣] و قال: «وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» [٤] و قال: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» [٥] و قال:
[١] أخرجه أحمد و البيهقي من حديث ابن عباس و عن ابن مسعود بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٢] المزمل: ١٠.
[٣] إبراهيم: ١٢.
[٤] الأحزاب: ٤٨.
[٥] الاحقاف: ٣٥.
المحجة