المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٥
للجاه إلّا ملك القلوب كما لا معنى للغني إلّا ملك الدّراهم و من ملك الدّراهم تسخّرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه فكما يحتاج الإنسان إلى سقف يدفع عنه المطر، و جبّة تدفع عنه البرد، و كلب يدفع الذّئب عن ماشيته فيحتاج أيضا إلى من يدفع الشرّ به عن نفسه، و على هذا القصد كان الأنبياء الّذين لا ملك لهم و لا سلطنة يراعون السلاطين و يطلبون عندهم الجاه و كذلك علماء الدّين لا على قصد التناول من خزائنهم و الاستئثار و الاستكثار في الدّنيا بمتابعتهم، و لا تظننّ أنّ نعمة اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث نصره و أكمل دينه و أظهره على جميع أعدائه و مكّن له في القلوب حبّه حتّى اتّسع به عزّه و جاهه كانت أقلّ من نعمته عليه حين كان يؤذى و يضرب حتّى افتقر إلى الهرب و الهجرة.
فإن قلت: كرم العشيرة و شرف الأهل هو من النعم أم لا؟ فأقول: نعم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الأئمّة من قريش» [١] و لذلك كان عليه السّلام من أكرمهم أرومة في نسب آدم، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تخيّروا لنطفكم الأكفاء» [٢] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«إيّاكم و خضراء الدّمن، فقيل: و ما خضراء الدّمن؟ فقال: المرأة الحسناء في المنبت السوء»[١]فهذا أيضا من النعم و لست أعني به الانتساب إلى الظلمة و أرباب الدّنيا، بل الانتساب إلى شجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى أئمّة العلماء و إلى الصالحين و الأبرار المتزيّنين بالعلم و العمل.
فإن قلت: فما معنى الفضائل البدنيّة؟ فأقول: لا خفاء لشدّة الحاجة إلى الصحّة و القوّة و إلى طول العمر إذ لا يتمّ على علم و عمل إلّا بهما، و لذلك قال عليه السّلام:
[١] رواه الكليني في الكافي ج ٥ ص ٣٣٢ و في النهاية الاثيرية بعد نقل الحديث قال: الدمن جمع دمنة و هي ما تدمنه الإبل و الغنم بأبوالها و أبعارها أي تلبده في مرابضها فربما نبت فيها النبات الحسن النضير.
[١] أخرجه الحاكم و البيهقي في السنن من حديث على عليه السّلام بسند حسن كما في الجامع الصغير.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ١٩٦٨ و قد تقدم في النكاح
المحجة