المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٢
و لا يعزم على التوبة و الرّجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بثّ البذر في أرض سبخة عزم على أن لا يتعهّده بسقي و لا تنقية.
قال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذّنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، و توقّع القرب من اللّه عزّ و جلّ بغير طاعة، و انتظار زرع الجنّة ببذر النار، و طلب دار المطيعين بالمعاصي و انتظار الجزاء بغير عمل، و التمنّى على اللّه عزّ و جلّ مع الإفراط، فإذا عرفت حقيقة الرّجاء و مظنّته فقد علمت أنّها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب، و هذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقيّة الأسباب على حسب الإمكان فإنّ من حسن بذره و طابت أرضه و غزر ماؤه صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرّجاء على تفقّد الأرض و تعهّدها و تنحية كلّ حشيش ينبت فيها فلا يفتر عن تعهّدها أصلا إلى وقت الحصاد و هذا لأنّ الرّجاء يضادّه اليأس و اليأس يمنع من التعهّد فمن عرف أنّ الأرض سبخة و أنّ الماء مغور و أنّ البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقّد الأرض و التعب في تعهّدها و الرّجاء محمود لأنّه باعث و اليأس مذموم و هو ضدّه لأنّه صارف عن العمل و الخوف ليس بضدّ للرّجاء بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه بل هو باعث آخر بطريق الرّهبة كما أنّ الرّجاء باعث بطريق الرّغبة فإذن حال الرّجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال و المواظبة على الطاعات كيف ما تقلّبت الأحوال، و من آثاره التلذّذ بدوام الإقبال على اللّه و التنعّم بمناجاته و التلطّف في التملّق له. فإنّ هذه الأحوال لا بدّ و أن تظهر على كلّ من يرجو ملكا من الملوك أو شخصا من الأشخاص فكيف لا يظهر ذلك في حقّ اللّه تعالى، فإن كان ذلك لا يظهر فليستدلّ به على الحرمان عن مقام الرّجاء و النزول في حضيض الغرور و التمنّي فهذا هو البيان لحال الرّجاء و لما أثمره من العلم و لما استثمر منه من العمل و يدلّ على أثماره لهذه الأعمال حديث زيد الخيل إذ قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: جئت لأسألك عن علامة اللّه فيمن يريد و علامته فيمن لا يريد فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحبّ الخير و أهله و إذا قدرت على شيء منه سارعت إليه و أيقنت بثوابه و إذا فاتني شيء منه حزنت عليه و حننت
المحجة