المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧١
دون الغاية، و كان لكلّ واحد نسبة إلى صفة المشيّة لرجوعها إلى الاختصاصات الّتي بها يتمّ القسمة و الاختلافات، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبّة، و استعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة، و قيل: إنّهما جميعا داخلان في وصف المشيّة و لكنّ لكلّ واحد منهما خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبّة و الكراهة منهما أمر مجملا عند طالبي الفهم من الألفاظ و اللّغات، ثمّ انقسم عباده الّذين هم أيضا من خلقه و اختراعه إلى من سبقت له في المشيّة الأزليّة أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها و يكون ذلك قهرا في حقّهم بتسليط الدّواعي و البواعث عليهم، و إلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور، فكان لكلّ واحد من الفريقين نسبة إلى المشيّة خاصّة فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة بهم عبارة الرّضا، و استعير للّذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة الغضب، و ظهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها فاستعير له الكفران و أردف ذلك بنقمة اللّعن و المذمّة زيادة في النكال و ظهر على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها فاستعير له عبارة الشكر و أردف بخلعة الثناء و الإطراء زيادة في الرّضا و القبول و الإقبال، فكان الحاصل أنّه تعالى أعطى الجمال ثمّ أثنى، و أعطى النكال ثمّ قبح و أردى، و كان مثاله أن ينظف الملك عبده الوسخ عن أوساخه ثمّ يكسيه من محاسن ثيابه، فإذا تمّم زينته قال:
يا جميل ما أجملك و أجمل ثيابك و أنظف وجهك، فيكون بالحقيقة هو المجمل و هو المثني على الجمال فهو المثنى عليه بكلّ حال و كأنّه لم يثن من حيث المعنى إلّا على نفسه، و إنّما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر و الصورة فهكذا كانت الأمور في أزل الآزال، و هكذا تسلسل الأسباب و المسبّبات بتقدير ربّ الأرباب و مسبّب الأسباب و لم يكن ذلك عن اتّفاق و بخت بل عن إرادة و حكمة و حكم حقّ و أمر جزم استعير له لفظ القضاء و قيل: إنّه كلمح بالبصر، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء الجزم بما سبق به التقدير، فاستعير لترتّب آحاد المقدورات بعضها على بعض لفظ القدر، فكان لفظ القضاء بإزاء الأمر الواحد الكلّي و لفظ القدر بإزاء
المحجة