المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١
نعله فما يدريه فلعلّ الساعة قريب و المتأخّر إذا وقع صار ناجزا و يذكّر نفسه أنّه أبدا في دنياه يتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال إذ يركب البحار و يقاسي الأسفار لأجل الرّبح الّذي يظنّ أنّه قد يحتاج إليه في ثاني الحال بل لو مرض و أخبره نصراني طبيب بأن شرب الماء البارد يضرّه و يسوقه إلى الموت و كان الماء البارد ألذّ الأشياء عنده تركه مع أنّ الموت ألمه لحظة إذا لم يخف ما بعده و مفارقته للدّنيا لا بدّ منها فكم نسبة وجوده في الدّنيا إلى عدمه أزلا و أبدا، فلينظر كيف يبادر إلى ترك ملاذّه بقول ذمّيّ لم تقم معجزة على طبّه فيقول: كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيّدين بالمعجزات عندي دون قول نصرانيّ يدّعي الطبّ لنفسه بلا معجزة على طبّه و لا يشهد له إلّا عوام الخلق و كيف يكون عذاب النّار أخفّ عندي من عذاب المرض، و كلّ يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيّام الدّنيا و بهذا التّفكّر بعينه يعالج اللّذّة الغالبة عليه و يكلّف نفسه تركها و يقول: إذا كنت لا أقدر على ترك لذّاتي أيّام العمر و هي أيّام قلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد؟
و إذا كنت لا أطيق ألم الصّبر فكيف أطيق ألم النّار؟ و إذا كنت لا أصبر عن زخارف الدّنيا مع كدورتها و تنغّصها و امتزاج صفوها بكدرها فكيف أصبر عن نعيم الآخرة؟.
و أمّا تسويف التّوبة فيعالجه بالفكر في أنّ أكثر صياح أهل النّار من التسويف لأنّ المسوّف يبني الأمر على ما ليس إليه و هو البقاء فلعلّه لا يبقى، و إن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم فليت شعري هل عجز في الحال إلّا لغلبة الشّهوة، و الشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف إذ تتأكّد بالاعتياد فليست الشهوة الّتي أكّدها الإنسان بالعادة كالّتي لم يؤكّدها و عن هذا هلك المسوّفون لأنّهم يظنّون الفرق بين المتماثلين و لا يظنّون أنّ الأيّام متشابهة في أنّ ترك الشّهوات فيها أبدا شاقّ، و ما مثال المسوّف إلّا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قويّة لا تنقلع إلّا بمشقّة شديدة فقال: أؤخّرها سنة ثمّ أعود إليها و هو يعلم أنّ الشجرة كلّما بقيت ازداد رسوخها و هو كلّما طال عمره ازداد ضعفه فلا حماقة في الدّنيا أعظم
المحجة