المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٤
عذري فانّي كنت غريبا حديث العهد بالدّخول في هذه البلاد و لكلّ داخل دهشة فما كان إنكاري عليكم إلّا عن قصور و جهل و الآن قد صحّ عندي عذركم و انكشف لي أنّ المتفرّد بالملك و الملكوت و العزّة و الجبروت هو الواحد القهّار، فما أنتم إلّا مسخّرون تحت قهره مردّدون في قبضته و هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن، فلمّا قال ذلك في عالم الشهادة استبعد ذلك منه و قيل: كيف بكون هو الأوّل و الآخر و هما متناقضان و كيف يكون هو الظاهر و الباطن و الأوّل ليس بآخر و الظاهر ليس بباطن فقال هو الأوّل بالإضافة إلى الوجود إذ صدر منه الكلّ على ترتيبه واحدا بعد واحد، و هو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه فإنّهم لا يزالون مترقّين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة فيكون ذلك آخر السفر فهو آخر في المشاهدة أوّل في الوجود و هو باطن بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة الطالبين لإدراكه بالحواسّ الخمس، ظاهر بالإضافة إلى من يطلبه بالسراج الّذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة النافذة في عالم الملكوت فهذا كان توحيد السالكين لطريق التوحيد في الفعل أعني من انكشف له أنّ الفاعل واحد.
فإن قلت: لقد انتهى هذا التوحيد إلى أنّه يبتني على الإيمان بعالم الملكوت فمن لا يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه؟
فأقول: أمّا الجاحد فلا علاج له إلّا أن يقال له: إنكارك لعالم الملكوت كإنكار السمنيّة لعالم الجبروت و هم الّذين حصروا العلوم في الحواسّ الخمس فأنكروا القدرة و الإرادة و العلم لأنّها لا تدرك بالحواسّ الخمس، و لازموا حضيض عالم الشهادة، فإن قال: و أنا منهم فإنّي لا أهتدي إلّا إلى عالم الشهادة بالحواسّ الخمس و لا أعلم شيئا سواه، فيقال: إنكارك لما شاهدنا ممّا وراء الحواسّ الخمس كإنكار السوفسطائيّة للحواسّ الخمس فإنّهم قالوا ما نراه لا نثق به فلعلّنا نراه في المنام فإن قال: و أنا من جملتهم فإنّي شاكّ أيضا في المحسوسات فيقال: هذا شخص فسد مزاجه و امتنع علاجه فيترك، فلا كلّ مريض يقوى على علاجه الأطبّاء هذا حكم الجاحد، و أمّا الّذي لا يجحد و لكن لا يفهم فطريق السالكين معه أن ينظروا إلى عينه الّتي
المحجة