المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٦
إليه و لم يكن من جهة الملك إرهاق و أمر جزم يخاف عاقبته لمّا سلّم إليه شيئا فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن الموصل كنظره إلى القلم و الكاغذ فلا يورث ذلك شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك، فكذلك من عرف اللّه تعالى و عرف أفعاله علم أنّ الشمس و القمر و النّجوم مسخّرات بأمره كالقلم مثلا في يد الكاتب و أنّ الحيوانات الّتي لها اختيار مسخّرات في نفس اختيارها فإنّ اللّه تعالى هو المسلّط للدّواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت، كالخازن المضطرّ الّذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك و لو خلّي و نفسه لما أعطاك ذرّة ممّا في يده فكلّ من وصل إليك نعمة من اللّه على يده فهو مضطرّ إذ سلّط اللّه عليه الإرادة و هيّج عليه الدّواعي و ألقى في قلبه أنّ خيره في الدّنيا و الآخرة في أن يعطيك ما أعطاك و أنّ غرضه المقصود عنده في الحال و المآل لا يحصل إلّا به و بعد أن خلق اللّه فيه هذا الاعتقاد فلا يجد سبيلا إلى تركه فهو إذا إنّما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك و لو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك، و لو لم يعلم أنّ منفعته في منفعتك لما نفعك فهو إذن إنّما يطلب نفع نفسه بنفعك فليس منعما عليك بل اتّخذك وسيلة إلى نعمة أخرى هو يرجوها و إنّما الّذي أنعم عليك هو الّذي سخّره لك و ألقى في قلبه من الاعتقادات و الإرادات ما صار به مضطرّا إلى الإيصال إليك، فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت اللّه تعالى و عرفت فعله و كنت موحّدا و قدرت على شكره بل كنت بهذه المعرفة بمجرّدها شاكرا، و لذلك قال موسى عليه السّلام في مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك و أسكنته جنّتك و زوّجته حوّاء أمتك فكيف شكرك؟ فقال اللّه تعالى: اعلم أنّ ذلك منّي فكانت معرفته شكرا. فإذن لا تشكر إلّا بأن تعرف أنّ الكلّ منه فإن خالجك ريب في هذا لم تكن عارفا لا بالنعمة و لا بالمنعم فلا تفرح بالمنعم وحده بل به و بغيره فبنقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح و بنقصان فرحك ينقص عملك فهذا بيان هذا الأصل.
الأصل الثاني الحال المستمدة من أصل المعرفة و هو الفرح بالمنعم
مع هيئة الخضوع و التواضع و هو أيضا في نفسه شكر على تجرّده كما أنّ المعرفة شكر و لكن إنّما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه و شرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا
المحجة