المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠٥
جميعا و كما أنّ قطع اليد إذا تأكّلت إبقاء على الرّوح عدل لأنّه فداء كامل بناقص فكذا الأمر في التفات الّذي بين الخلق في القسم في الدّنيا و الآخرة فكلّ ذلك عدل لا جور فيه و حقّ لا لعب فيه، و هذا الآن بحر آخر عظيم واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب في السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين و لم يعلموا أنّ ذلك غامض لا يعقله إلّا العالمون، و وراء هذا البحر سرّ القدر الّذي تحيّر فيه الأكثرون و منع عن إفشاء سرّه المكاشفون، و الحاصل أنّ الخير و الشرّ مقضيّ به و قد صار ما قضى اللّه به واجب الحصول بعد سبق المشيّة فلا رادّ لحكمه و لا معقّب لقضائه و أمره، بل كلّ صغير و كبير مستطر و حصوله بقدر معلوم منتظر و ما أصابك لم يكن ليخطئك و ما أخطأك لم يكن ليصيبك، و لنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفات الّتي هي أصول مقام التوكّل و لنرجع إلى علم المعاملة
(الشطر الثاني من الكتاب في أحوال التوكل و أعماله)
و فيه بيان حال التوكّل، و بيان ما قاله الشيوخ في حدّ التوكّل و بيان التوكّل في الكسب للمنفرد و المعيل، و بيان التوكّل بترك الادّخار، و بيان التوكّل في دفع المضارّ، و بيان التوكّل في إزالة الضرر بالتداوي و غيره.
(بيان حال التوكل)
قد ذكرنا أنّ مقام التوكّل ينتظم من علم و حال و عمل، و ذكرنا العلم، فأمّا الحال فالتوكّل بالتحقيق عبارة عنه و إنّما العلم أصله و العمل ثمرته و قد أكثر الخائضون في بيان حدّ التوكّل و اختلفت عباراتهم و تكلّم كلّ واحد عن مقام نفسه و أخبر عن حدّه كما جرت عادة أهل التصوّف به و لا فائدة في النقل و الإكثار و لنكشف الغطاء عنه، فنقول التوكّل مشتقّ من الوكالة يقال: و كل أمره إلى فلان أي فوّضه إليه و اعتمد عليه فيه و يسمّى الموكول إليه وكيلا و يسمّى المفوّض إليه متّكلا عليه و متوكّلا عليه مهما اطمأنّت نفسه إليه و وثق به و لم يتّهمه فيه بتقصير و لم يعتقد فيه عجزا و قصورا، فالتوكّل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده و لنضرب
المحجة