المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٢
بسبب خروج حبّ الدّنيا من القلب لمعرفة اللّه و حبّه، فالأفضل المعرفة و دونها الحال و دونها العمل فإن قلت: فقد حثّ الشرع على الأعمال و بالغ في ذكر فضلها حتّى طلب الصدقات و قال: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» [١] و قال: «وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ» [٢] فكيف لا يكون الفعل و هو الإنفاق أفضل؟ فاعلم أنّ الطبيب إذا أثنى على الدّواء لم يدلّ ذلك على أنّ الدّواء مراد لعينه أو على أنّه أفضل من الصحّة و الشفاء الحاصل به و لكنّ الأعمال علاج لمرض القلوب و مرض القلب ممّا لا يشعر به غالبا فهو كبرص على وجه من لا مرآة معه فإنّه لا يشعر به و لو ذكر له لا يصدّق به فالسبيل معه المبالغة في الثناء على غسل الوجه بماء الورد مثلا إن كان ماء الورد يزيل البرص حتّى يستحثّه فرط الثناء على المواظبة عليه فيزول مرضه، فإنّه لو ذكر له أنّ المقصود زوال البرص عن وجهك ربما ترك العلاج و زعم أنّ وجهه لا عيب فيه و لنضرب مثالا أقرب من هذا فنقول: من له ولد علّمه العلم أو القرآن و أراد أن يثبت ذلك في حفظه بحيث لا يزول عنه و علم أنّه لو أمره بالتكرار و الدّراسة ليبقى له محفوظا لقال: إنّه محفوظ معي و لا حاجة بي إلى تكرار و دراسة لأنّه يظنّ أنّ ما يحفظه في الحال يبقى كذلك أبدا، و كان له عبيد فأمر الولد بتعليم العبيد و وعده على ذلك بالجميل لتتوفّر داعيته على كثرة التكرار بالتعليم، فربّما يظنّ الصبيّ المسكين أنّ المقصود تعليم العبيد القرآن و أنّه قد استخدم لتعليمهم فيشكل عليه الأمر فيقول: ما بالي قد استخدمت لأجل العبيد و أنا أجلّ منهم و أعزّ عند الوالد، و أعلم أنّ أبي لو أراد تعليم العبيد لقدر عليه دون تكليفي به و أعلم أنّه لا نقصان لأبي بفقد هؤلاء العبيد فضلا عن عدم علمهم بالقرآن، فربّما يتكاسل هذا المسكين فيترك تعليمهم اعتمادا على استغناء أبيه و على كرمه في العفو عنه فينسى العلم و القرآن و يبقى مدبرا محروما من حيث لا يدري، و قد انخدع بمثل هذا الخيال طائفة و سلكوا طريق الإباحة و قالوا: إنّ اللّه غنيّ عن عبادتنا و عن أن يستقرض
[١] البقرة: ٢٤٥.
[٢] التوبة: ١٠٤
المحجة