المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٠
(الرّكن الرابع في دواء التوبة) (و طريق العلاج لحل عقدة الإصرار)
اعلم أنّ النّاس قسمان شابّ لا صبوة له نشأ على الخير و اجتناب الشرّ و هو الّذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يعجب ربّك من شابّ ليست له صبوة» [١] و هذا عزيز نادر، و القسم الثاني هو الّذي لا يخلو عن مقارفة الذّنوب، ثمّ هم ينقسمون إلى مصرّين و إلى تائبين و غرضنا أن نبيّن العلاج في حلّ عقدة الإصرار و نذكر الدّواء فيه، فاعلم أنّ شفاء التّوبة لا يحصل إلّا بالدّواء و لا يقف على الدّواء من لا يقف على الدّاء، إذ لا معنى للدّواء إلّا مناقضة أسباب الدّاء فكلّ داء حصل من سبب فدواؤه حلّ ذلك السّبب و رفعه و إبطاله و لا يبطل الشّيء إلّا بضدّه و لا سبب للإصرار إلّا الغفلة و الشهوة و لا يضادّ الغفلة إلّا العلم و لا يضادّ الشهوة إلّا الصبر على قطع الأسباب المحرّكة للشهوة، و الغفلة رأس الخطايا قال اللّه تعالى: «أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ» [٢] فلا دواء إذن للتّوبة إلّا معجون يعجن من حلاوة العلم و مرارة الصبر، و كما يجمع في السّكنجبين بين حلاوة السكّر و حموضة الخلّ و يقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما فينقمع الأسباب المهيّجة للصفراء، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عمّا به من مرض الإصرار، فإذن لهذا الدّواء أصلان أحدهما العلم و الآخر الصبر فلا بدّ من بيانهما، فإن قلت: أ ينفع كلّ علم لحلّ الإصرار أم لا بدّ من علم مخصوص؟
فاعلم أنّ العلوم بجملتها أدوية لأمراض القلوب لكن لكلّ مرض علم يخصّه كما أنّ علم الطبّ نافع في علاج الأمراض بالجملة و لكن يخصّ كلّ علّة علم مخصوص فكذلك دواء الإصرار، فلنذكر خصوص ذلك العلم على موازنة مرض الأبدان ليكون أقرب إلى الفهم، فنقول: يحتاج المريض إلى التصديق بامور أربعة: الأوّل أن يصدّق على الجملة بأنّ للمرض و الصحّة أسبابا يتوصّل إليها بالاختيار على ما رتّبه مسبّب
[١] أخرجه أحمد و الطبراني من حديث عقبة بن عامر كما في المغني.
[٢] النحل: ١٠٩ و ١١٠.
المحجة