المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٢
أن تكفر بي حتّى تسألني الدّنيا؟ فأخذ التراب فوضعه على رأسه و قال: بلى قد رضيت يا ربّ فاعصمني من الكفر. فإذن إذا كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم و قوّة إيمانهم من سوء الخاتمة فكيف لا يخافه الضعفاء، و لسوء الخاتمة أسباب تتقدّم على الموت مثل البدعة و النفاق و الكبر و جملة من الصفات المذمومة و لذلك اشتدّ خوف الصحابة من النفاق و ما عنوا به النفاق الّذي هو ضدّ أصل الإيمان بل المراد به ما يجتمع مع أصل الإيمان فيكون مسلما منافقا و له علامات كثيرة. قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«أربع من كنّ فيه منافق خالص و إن صام و صلّى و زعم أنّه مسلم، و إن كانت فيه خصلة منهنّ ففيه شعبة من النفاق حتّى يدعها: إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا ائتمن خان، و إذا خاصم فجر» و في لفظ آخر «و إذا عاهد غدر» [١] و قد فسّر الصحابة و التابعون النفاق بتفاسير لا يخلو عن شيء منه إلّا صدّيق إذ قيل: إنّ من النفاق اختلاف السرّ و العلانية، و اختلاف اللّسان و القلب، و المدخل و المخرج، و من الّذي يخلو عن هذه المعاني، بل صارت هذه الأمور مألوفة بين الناس معتادة و نسي كونها منكرا بالكلّيّة، بل جرى ذلك على قرب عهد بزمان النبوّة فكيف الظنّ بزماننا حتّى قال حذيفة [٢]: أن كان الرّجل ليتكلّم بالكلمة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيصير بها منافقا إنّي لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرّات و كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقولون: إنّكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشعر كنّا نعدّها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الكبائر. و قال بعضهم: علامة النفاق أن تكره من الناس ما تأتي مثله و أن تحبّ على شيء من الجور و أن تبغض على شيء من الحقّ[١]، و قيل: من النفاق أنّه إذا مدح بشيء ليس فيه أعجبه ذلك، و أشدّ من ذلك ما روي أنّ نفرا قعدوا على باب حذيفة ينتظرونه فكانوا يتكلّمون في شيء من شأنه
[١] في بعض النسخ [و أن تحث على شيء من الخير و لا تفعله].
[١] أخرجه البخاري ج ١ ص ١٦ باب علامة المنافق من حديث عبد اللّه بن عمر.
باللفظ الثاني.
[٢] أخرجه أحمد من حديث حذيفة ج ٥ ص ٣٨٤.
المحجة