المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٦
أخذ لتجزّ رقبته فكتب الملك توقيعا بالعفو عنه و تخليته فأخذ يشتغل بذكر الحبر و الكاغذ و القلم الّذي به كتب التوقيع و يقول: لو لا القلم لما تخلّصت فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم و هو غاية الجهل، و من علم أنّ القلم لا حكم له في نفسه و إنّما هو مسخّر في يد الكاتب لم يلتفت إليه و لم يشكر إلّا الكاتب، بل ربّما يدهشه فرح النجاة و شكر الملك و الكاتب عن أن يخطر بباله القلم و الحبر و الدّواة و الشمس و القمر و النجوم و المطر و الغيم و الأرض، و كلّ حيوان و جماد مسخّر في قبضة القدرة كتسخير القلم في يد الكاتب بل هذا تمثيل في حقّك لاعتقادك أنّ الملك الموقّع هو كاتب التوقيع و الحقّ أنّ اللّه هو الكاتب كما قال تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» [١] فإذا انكشف لك أنّ جميع ما في السماوات و الأرض مسخّرات على هذا الوجه انصرف عنك الشيطان خائبا و آيس عن مزج توحيدك بهذا الشرك فيأتيك في المهلكة الثانية و هي الالتفات إلى اختيار الحيوانات في الأفعال الاختياريّة و يقول:
كيف ترى الكلّ من اللّه و هذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فإن شاء أعطاك و إن شاء قطع عنك و هذا الشخص هو الّذي يجزّ رقبتك بسيفه و هو قادر عليك فإن شاء جزّ رقبتك و إن شاء عفا عنك فكيف لا تخافه و لا ترجوه و أمرك بيده و أنت تشاهد ذلك و لا تشكّ فيه و يقول لك أيضا: نعم إن كنت لا ترى القلم لأنّه مسخّر فكيف لا ترى الكاتب بالقلم و هو مسخّر له، و عند هذا زلّ أقدام الأكثر من الناس إلّا عباد اللّه المخلصين الّذين لا سلطان عليهم للشيطان فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخّرا مضطرّا كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخّرا، و عرفوا أنّ غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا لو كانت تدبّ على الكاغذ فترى رأس القلم يسوّد الكاغذ و لم يمتد بصرها إلى اليد و الأصابع فضلا من صاحب اليد، و ظنّت أنّ القلم هو المسوّد للبياض و ذلك لقصور بصره عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها، فكذلك من لم ينشرح بنور اللّه صدره قصرت بصيرته عن ملاحظة جبّار السماوات و الأرض و مشاهدة كونه قاهرا وراء الكلّ فوقف في الطريق على الكاتب و هو جهل محض بل أرباب القلوب و المشاهدات
[١] الانفال: ١٧.
المحجة