المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٦
اللّه تعالى. و يدلّ على أنّ الشيء يكفّر بضدّه أنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة و أثر اتّباع الدّنيا في القلب السرور بها، الإلف لها و الحنين إليها فلا جرم كان كلّ أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدّنيا يكون كفّارة له إذ القلب يتجافى بالهموم و الغموم عن دار الهموم، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من الذّنوب ذنوب لا يكفّرها إلّا الهموم» [١] و في لفظ آخر «إلّا الهمّ بطلب المعيشة». و في الحديث «إذا كثرت ذنوب العبد و لم تكن له أعمال تكفّرها أدخل اللّه عليه الغموم فيكون كفّارة لذنوبه» [٢].
و يقال: إنّ الهمّ الّذي يدخل على القلب و العبد لا يعرفه هو ظلمة الذّنوب و الهمّ بها و شعور القلب بوقفة الحساب و هول المطّلع، فإن قلت: همّ الإنسان غالبا بماله و ولده و جاهه و هو خطيئة فكيف يكون كفّارة؟ فاعلم أنّ الحبّ له خطيئة و الحرمان عنه كفّارة و لو تمتّع به لتمّت الخطيئة، فقد روي أنّ جبرئيل دخل على يوسف في السجن فقال له: كيف تركت الشيخ الكئيب فقال [٣]: قد حزن عليك حزن مائة ثكلى؟ قال: فما له عند اللّه؟ فقال: أجر مائة شهيد. فإذن الهموم أيضا مكفّرات حقوق اللّه فهذا حكم ما بينه و بين اللّه.
و أمّا مظالم العباد
ففيها معصية و جناية على حقّ اللّه فإنّ اللّه نهى عن ظلم العباد أيضا، فما يتعلّق منه بحقّ اللّه تداركه بالندم و التحسّر و ترك مثله في المستقبل و الإتيان بالحسنات الّتي هي أضدادها فيقابل إيذاؤه الناس بالإحسان إليهم و يكفّر غصب أموالهم بالتصدّق بملكه الحلال، و يكفّر تناول أعراضهم بالغيبة و القدح فيهم بالثناء على أهل الدّين و إظهار ما يعرف من خصال الخير من أقرانه و أمثاله، و يكفّر قتل النفوس بإعتاق الرّقاب لأنّ ذلك إحياء إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيّده فالإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه فيقابل الاعدام
[١] أخرجه الطبراني في الأوسط و أبو نعيم في الحلية و الخطيب في التلخيص من حديث أبي هريرة بسند ضعيف و قد تقدم في النكاح.
[٢] أخرجه أحمد في المسند من حديث عائشة بسند حسن كما في الجامع الصغير و رواه البزار كما في مجمع الزوائد ج ١٠ ص ١٩٢.
[٣] كذا.
المحجة