المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٤
حكم اللّه تعالى فيمن حرمه توفيقه و لم يهده طريقه، فنعوذ باللّه من الضلال و النزول في منازل الجهّال.
فهذا حكم انقسام من يخرج من النار و يعطى مثل عشرة أمثال الدّنيا أو أكثر و لا يخرج من النار إلّا موحّد، و لست أعني بالتوحيد أن يقول بلسانه:
«لا إله إلّا اللّه» فإنّ اللّسان من عالم الملك و الشهادة فلا ينفع إلّا في عالم الملك فيدفع السيف عن رقبته و أيدي الغانمين عن ماله و مدّة بقاء الرّقبة و المال مدّة الحياة فحيث لا تبقى رقبة و لا مال لا ينفع القول باللّسان، و إنّما ينفع الصدق في التوحيد و كمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلّها إلّا من اللّه و علامته أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط و إنّما يرى مسبّب الأسباب كما سيأتي تحقيقه في التوكّل، و هذا التوحيد متفاوت، فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال، و منهم من له مثقال، و منهم من له مقدار خردلة و ذرّة، فمن في قلبه مثقال دينار فهو أوّل مخرج من النار، و في الخبر يقال: «أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان» [١] «و آخر من يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان» [٢] و ما بين المثقال و الذرّة على تفاوت درجاتهم يخرجون بين طبقة المثقال و بين طبقة الذرّة، و الموازنة بالمثقال و الذرّة على سبيل ضرب المثل كما ذكرنا في الموازنة بين أعيان الأموال و بين النقود، و أكثر ما يدخل الموحّدين النار مظالم العباد، فديوان العباد هو الدّيوان الّذي لا يترك و أمّا بقيّة السيّئات فيتسارع العفو و التكفير إليها ففي الأثر أنّ العبد ليوقف بين يدي اللّه عزّ و جلّ و له من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنّة، فيقوم أصحاب المظالم فيكون قد سبّ عرض هذا و أخذ مال هذا و ضرب هذا فينقص من حسناته حتّى لا يبقى له حسنة فتقول الملائكة: يا ربّنا قد فنيت حسناته و بقي طالبون كثير فيقال: ألقوا من سيّئاتهم على سيّئاته و صكّوا له صكّا إلى النار، و كما يهلك هو بسيّئة غيره بطريق القصاص فكذلك ينجو المظلوم بحسنة الظالم إذ ينقل إليه
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٥٩ و ٦٠ باختلاف في اللفظ.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٥٩ و ٦٠ باختلاف في اللفظ.
المحجة